رياض الفرطوسي
يستغرب البعض حين يسمعون بانتحار طبيب أو مثقف أو مفكر، وكأن المعرفة درعٌ يحمي من الانهيار. لكن التاريخ يخبرنا أن أعظم العقول وألمع المبدعين لم يسلموا من هذه النهاية القاسية.
الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير عاش صراعاً نفسياً مريراً انتهى بمأساة. الشاعر الروسي ماياكوفسكي أطلق النار على نفسه في ذروة عطائه. الكاتب الأميركي إرنست همنغواي، الحائز على نوبل، أنهى حياته بالرصاص بعد رحلة طويلة مع الاكتئاب. الرسام الهولندي فان غوخ رحل برصاصة وحيداً رغم لوحاته المضيئة. حتى بعض الأطباء النفسيين، وهم الأقدر على توصيف العلة، لم ينجوا من الانتحار.
هذه الأمثلة تكشف أن الانتحار لا يختار الضعفاء وحدهم، بل قد يصيب العقول الكبيرة حين تنهزم جبهتهم الداخلية أمام الضغط، العزلة، والخيبات المتراكمة.
الأشد مرارة أن بعض الضحايا يقعون في وهمٍ قاتل، حين يظنون أن الانتحار طريق مباشر إلى “لقاء الله”. فيتركون وراءهم عبارات مكتوبة قبل لحظات الرحيل، وكأن هناك مكتب استقبال مفتوحاً لكل من ضجر من الحياة. غير أن هذا التصور المضلِّل لا يصنع عزاءً، بل يضاعف المأساة، لأنه يجمّل الانكسار بدلاً من مواجهته بالصبر أو طلب العون.
إن ما نحتاجه ليس استنكار المنتحرين ولا محاكمتهم بعد رحيلهم، بل فهم أن الصحة النفسية هشّة، وأن طلب المساعدة ليس ضعفاً، وأن الضغوط التي قد تقتل من الداخل لا يمكن علاجها بالإنكار أو القداسة. فلننظر إلى الطبيب أو المثقف كإنسان قبل أن يكون رمزاً، ولنتعامل مع آلامه كجزء من إنسانيته، لا كخيانة لصورة مثالية صنعناها له.
فالداخل حين ينهزم، قد يسقط معه أعظم العقول. وما ينقذنا هو وعيٌ أكبر، ورأفة أعمق، وإيمان بأن الوقاية والاحتواء خير من رثاء متأخر.