صناعة الأبناء
الجزء الخامس: المدرسة… بين الوهم والحياة
كتب رياض الفرطوسي
لنتجرأ قليلًا.
المدرسة بصيغتها الحديثة، والوظيفة بشكلها التقليدي، لم تُصمَّما يوماً لصناعة العقول الحرة، بل لصناعة الانضباط.
كان العالم الصناعي يحتاج إلى موظفين يأتون في الوقت المحدد، ينفذون التعليمات، ويحافظون على إيقاع ثابت.
فجاء التعليم على المقاس.
هذا ليس هجوماً على المدرسة، ولا دعوة إلى الفوضى.
بل محاولة لفهم السياق.
المدرسة أدت دورها في زمنها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل يكفي هذا النموذج لأبناء يعيشون في عالم مختلف تماماً؟
أخطر ما في المدرسة ليس المنهاج، ولا الامتحان، ولا حتى الدرجات.
أخطر ما فيها هو الوهم الذي قد تزرعه:
أن النجاح يعني أن تحفظ، ثم تسترجع، ثم تنتظر التقييم.
بينما الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.
بعد سنوات، سينسى الطالب معظم ما حفظه.
تتبخر المعادلات، تختفي التواريخ، تتداخل القواعد اللغوية.
لكن الذي يبقى — إن أحسنّا الفهم — هو شيء آخر تماماً.
يبقى أسلوب التفكير.
طريقة تحليل المشكلة.
القدرة على التعبير بوضوح.
الانضباط في إنجاز مهمة.
الثقافة العامة التي تمنحه سياقاً للعالم.
المنهجية التي تجعله لا يتخبط عند أول منعطف.
المواد ليست الغاية، بل أدوات.
اللغة ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة للفهم والتأثير.
الرياضيات ليست أرقاماً، بل تدريب على المنطق.
التاريخ ليس حكايات قديمة، بل وعيٌ بأن الحاضر امتداد لمسار طويل.
لكن هنا يأتي الخلل:
حين نحصر أبناءنا في نموذج واحد للتعلم، ونقنعهم أن الشهادة هي خط النهاية.
الحياة لا تعترف بشهادة واحدة.
الحياة تفتح امتحاناتها فجأة، بلا إشعار مسبق.
وهنا تظهر مدرسة أخرى لا تُكتب في الجداول الدراسية:
مدرسة الحياة.
عملٌ صيفي بسيط، تجربة تطوعية، مشروع صغير، احتكاك بسوق حقيقي…
قد يفعل في شخصية الشاب ما لا تفعله سنوات من الحفظ.
ليس الهدف المال.
بل الاحتكاك بالناس،
مواجهة الرفض،
تحمّل المسؤولية،
التعامل مع الخطأ،
إدراك أن القيمة تُنتَج ولا تُمنَح.
المدرسة تعطيك المعرفة.
الحياة تختبر قدرتك على استخدامها.
ومن السذاجة أن نعتقد أن مؤسسة واحدة كافية لتشكيل إنسان.
ومن الخطأ أن نحبس أبناءنا في مسار واحد، ثم نتعجب إن ضاقت آفاقهم.
التعلم ليس مرحلة، بل أسلوب حياة.
والعمل ليس وظيفة واحدة، بل سلسلة تجارب تصقل الشخصية.
حين نُدرِك هذا، يتغير دورنا كآباء.
لم نعد فقط نتابع الدرجات.
بل نبحث عن الخبرات.
لا نسأل: كم حصلت؟
بل: ماذا تعلّمت؟ كيف فكّرت؟ ماذا جرّبت؟
وهكذا نقترب خطوة أخرى من صناعة إنسان متوازن،
عقلٌ يفكر،
وإرادةٌ تفعل،
وتجربةٌ توسّع الأفق.
لكن يبقى التحدي الأخير:
كيف نمنح أبناءنا فرصة القرار دون أن نتركهم فريسة للخطأ القاتل؟
وأين يقف دورنا حين يبدأ دورهم؟