كامل سلمان
ولي الأمر في المجتمعات الإسلامية عقدة تأريخية لم يتخلص منها المسلمون ولا من تبعاتها الدموية بسبب اختلاف رؤى المذاهب لولاية الأمر وبسبب تضارب الروايات والأحاديث حول هذا الأمر ، فكانت قضية ولاية الأمر من أكبر أبواب الفتن والدمار التي حصلت في تأريخ المسلمين ومازالت قائمة .. ولي الأمر في المجتمعات المتحضرة هو الدستور ، فقد أثبتت تجارب تلك المجتمعات بأن الدستور لا يجامل ولا يحقد ولا يصيبه الخرف ولا يدخل الناس في حروب فيما بينهم و هو الذي يفصل في الخلافات التي تحدث في البلد وهو الذي يعطي الصلاحيات وهو الذي ينظم عمل السلطات وهو بنفس الوقت قابل للتجديد والتغيير ، كل شيء داخل حدود الدولة وجه من أوجه الدستور ، والدستور يتوسع مع توسع المجتمع وتوسع الحياة ، فلم يعد ولي الأمر كائن بشري من لحم و دم بيده كل شيء كما كان سابقاً لأن الكائن البشري أصغر من أن يستوعب جوانب الحياة الكثيرة التي تكبر كل يوم . قديماً كان ولي الأمر البشري من ضرورات الحياة ، ضرورة على مستوى العشيرة وهو الشيخ يفصل ويقرر كيفما يشاء وعلى مستوى العائلة هو رب الأسرة وعلى مستوى الدولة أو المجتمع هو الحاكم أو الفقيه العالم فهو المشرع وهو القاضي وهو الكل في الكل ، لكن كلما توسعت الحياة ضعفت مسؤولية الفرد فلم يعد الفرد الواحد مهما بلغ من العلم والقوة والمعرفة يستوعب حجم متطلبات الحياة حتى على مستوى رب الأسرة لم يعد له حق السلطة والتصرف بالعائلة كما كان سابقاً إلا بما يدر على العائلة بالخير والمنفعة فهناك قانون ( في الدول التي فيها قانون ) يحاسب رب الأسرة في حالة الإساءة للأسرة وقد يسجن فما بالك على مستوى الدولة . مفهوم ولي الأمر كان شائعاً في المجتمعات العشائرية والمجتمعات الدينية والممالك كشخص يفوق بقية الناس علماً وفهماً فكان الملك أو الشيخ أو الولي الفقيه أو الحاكم هو الذي يستحق هذه الولاية لتفوقه على باقي الناس علماً وحكمة لكن اليوم في جميع المجتمعات دينية كانت أو ملكية أو عشائرية لابد من وجود دستور يحكم ويفصل والدستور أصبح حاجة لا يمكن الاستغناء عنه والدستور فرض نفسه على جميع المجتمعات كجزء من متطلبات الحياة العصرية وحتى الشركات الكبيرة والمؤسسات والجامعات والمعاهد أصبحت لها دساتير تنظم عملها ، وكلمة دستور يعني انتهاء دور الفرد كولي للأمر ، الدستور يحدد حقوق وواجبات أكبر شخص في الدولة إلى اصغر شخص فيها ، فمن العجب أن يحاول البعض المطالبة بوجود الدستور والمطالبة بنفس الوقت بشخص أن يكون ولياً للأمر ، كيف يكون ذلك ؟ إذا كان ولي الأمر هو نفسه تحت الدستور ، كيف يكون هو بنفس الوقت فوق الدستور ؟ يمكن ذلك في حالة واحدة عندما يكون الدستور مطي يمتطى أو مجرد قرطاس مركون على الرفوف . لو بحثنا عن جميع المشاكل السياسية والأمنية والاقتصادية والفساد التي تحدث في الدول الدستورية سنجد سببها هو أن الدستور مركوناً جانباً لا ينطق وليس دستوراً ، صحيح أسمه دستور وشكله شكل دستور لكنه مركوب كالدواب لا حول ولا قوة له . العيب يكمن في أن الدستور أسم بلا وجود . في الدول الدستورية الحقيقية هناك فوقية للدستور لا يستطيع أي فرد مهما بلغت سلطته ولا أية جهة مهما بلغت سطوتها المساس بالدستور فهو المقدس فوق المقدسات وهو الخط الأحمر الوحيد الذي لا يمكن تجاوزه ، في هذه الحالة ممكن أن نسميه دستور وبغير ذلك فهو مجرد قرطاس . فلننظر إلى حال العراق أكثر من عشرين عاماً والمشاكل تزداد حدة بين حكومة اقليم كوردستان وحكومة المركز بسبب غياب الدستور ولو كان الدستور موجوداً ما كان للمشاكل أن تحدث ، سرقات بالترليونات من الدولارات لأن القانون غير موجود بسبب غياب الدستور ، فوضى في العلاقات الإقليمية والدولية وانعدام الخدمات لأن الدستور غير متحكم بالحياة ، فهؤلاء الذين يطالبون بولاية الأمر لشخص الفقيه أن يكون هو ولي الأمر وليس الدستور بالحقيقة هم يعرفون استحالة الأمر في الدولة المدنية الدستورية لكن ادعاءاتهم تساعدهم كثيراً على بقاء الدستور ضعيفاً يمتطى تحتهم ، يتجاوزونه كيفما يشاءون ، هذا هو الواقع الذي يصرخ بصوت عال . هم يعرفون بأن الدستور هو ولي الأمر لكنهم يطالبون زعامة الولي الفقيه ليكون ولياً للأمر ليوحون للناس بأنهم عازمون على إعادة العقدة التأريخية المريرة إلى الوجود ثانية والبقاء تحت راية ورأي الفقيه ضاربين بعرض الحائط حال البلد الذي لا يقوّمه إلا الالتزام بالدستور وليقولوا بأن الدستور مهما بلغ يبقى ناقصاً ، كأنهم يقولون ها أنتم أيها الناس ترون بأعينكم كيف أن الدستور لا يستطيع حل مشاكل البلد . متناسين بأن الذي أوجد هذه المشاكل هو ذاك الذي وضع الدستور تحت قدميه لأنه يعرف بأن الدستور والفساد لا يجتمعان وهو يبغي الفساد .