حسين شكران الأكوش العقيلي
تُعدّ زراعة الأعضاء البشرية من أبرز القضايا الطبية المعاصرة التي تثير جدلًا فقهيًا وقانونيًا، لما تنطوي عليه من تداخل بين مفاهيم الحياة والموت، والملكية والكرامة، والضرورة والاختيار. وقد فرضت هذه القضية نفسها على الساحة التشريعية في المجتمعات الإسلامية، لا بوصفها إجراءً طبيًا فحسب، بل كمسألة أخلاقية وإنسانية تتطلب تأصيلًا فقهيًا دقيقًا وموقفًا قانونيًا متوازنًا. وفي هذا السياق، تبرز أهمية دراسة الفقه الإمامي والقانون العراقي كمصدرين تشريعيين يعكسان رؤية المجتمع تجاه الجسد الإنساني وحدود التصرف فيه.
إن الفقه الإمامي، بما يمتلكه من عمق تأصيلي في مفاهيم الملكية والولاية والضرورات، يقدم رؤية متماسكة تجاه زراعة الأعضاء، تتراوح بين الإباحة المشروطة والتحفظ المبدئي، وفقًا لموازين دقيقة من الأدلة الشرعية والمقاصد الكلية. فالجسد في المنظور الإمامي ليس ملكًا مطلقًا للفرد، بل هو أمانة إلهية، يُسمح له بالتصرف فيها ضمن حدود لا تخلّ بالكرامة الإنسانية ولا تتجاوز الضرورات الشرعية. ومن هنا، فإن التبرع بالأعضاء يُنظر إليه كعمل إحساني يُثاب عليه، بشرط أن لا يؤدي إلى ضرر محقق أو انتهاك لحرمة الميت، وأن يتم ضمن ضوابط دقيقة تضمن سلامة النية والمآل.
أما القانون العراقي، فقد تعامل مع زراعة الأعضاء من زاوية تنظيمية تهدف إلى ضبط الممارسة الطبية ومنع الاتجار بالأعضاء، مع مراعاة البعد الإنساني في إنقاذ الأرواح. وقد نصّ على جملة من الشروط التي يجب توفرها في عملية التبرع، منها موافقة المتبرع أو ورثته، وعدم وجود مقابل مادي، وتوثيق العملية ضمن إطار قانوني واضح. إلا أن القانون، رغم شموليته الإجرائية، يفتقر أحيانًا إلى العمق الفلسفي الذي يميز الرؤية الفقهية، مما يجعله عرضة للتأويلات المتباينة في حالات استثنائية، كالتبرع من الأحياء أو استخدام أعضاء مجهولي الهوية.
إن المقارنة بين الفقه الإمامي والقانون العراقي تكشف عن تقاطع مهم في الهدف النهائي، وهو الحفاظ على الحياة وصون الكرامة، لكنها تبرز أيضًا اختلافًا في المنطلقات والمفاهيم. فالفقه الإمامي ينطلق من قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) ويؤسس موقفه على مقاصد الشريعة، بينما يعتمد القانون العراقي على مبادئ القانون الوضعي وحقوق الإنسان، مما يفتح المجال لتكامل تشريعي يمكن أن يُثري التجربة العراقية في هذا المجال.
ومن أبرز الإشكاليات التي تطرحها زراعة الأعضاء هل يجوز التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟
وهل يُعدّ الجسد ملكًا للفرد أم للمجتمع؟
وهل يجوز نقل الأعضاء بين الجنسين أو بين الأديان؟
وهل يُشترط رضا الورثة؟
هذه الأسئلة تجد لها إجابات متباينة في الفقه الإمامي، تتراوح بين الإباحة والتحريم، وفقًا لطبيعة العضو، وحالة المتبرع، ومآل العملية. أما القانون العراقي، فقد حاول أن يضع إجابات عملية لهذه الأسئلة، لكنه غالبًا ما يترك الباب مفتوحًا أمام السلطة القضائية لتفسير النصوص حسب الظروف.
إن زراعة الأعضاء ليست مجرد إجراء طبي، بل هي اختبار حقيقي لقدرة التشريع على التفاعل مع الواقع دون التفريط بالمبادئ. وهي أيضًا فرصة لإعادة النظر في مفهوم الجسد ككيان قانوني وأخلاقي، لا كمجرد مادة قابلة للتصرف. ومن هنا، فإن الدعوة إلى تكامل بين الفقه الإمامي والقانون العراقي لا تهدف إلى توحيد النصوص، بل إلى خلق وعي تشريعي يوازن بين الأصالة والحداثة، وبين النص والواقع، وبين الإنقاذ والحرمة.
وفي الختام، فإن زراعة الأعضاء البشرية تمثل نموذجًا حيًا للتحديات التي تواجه التشريع الإسلامي والقانون الوضعي في العصر الحديث، وهي دعوة مفتوحة لإعادة بناء الخطاب التشريعي على أسس إنسانية ومقاصدية، تضمن للإنسان كرامته في الحياة والموت، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون بين الفقهاء والمشرّعين في خدمة المجتمع.