ضياء ابو معارج الدراجي
إيقاف توقيع عقد المشروع الوطني للاتصالات بعد شكوى نائبة وبأمرٍ قضائي، لم يكن حدثًا إداريًا عابرًا كما حاول البعض تصويره، بل هو طعنة نجلاء في خاصرة العراق، وخسارة وطنية كبرى، وفرصة ذهبت أدراج الرياح في سبيل مصالح حزبية وشخصية ضيّقة. المشروع الذي أُقرّ بقرارٍ من مجلس الوزراء وبمصادقة رسمية من البرلمان، وجرى العمل عليه بتعاون مؤسسات الدولة وهيئة الإعلام والاتصالات، كان يُراد له أن يكون المولود الوطني الأول في قطاع الاتصالات بعد عقدين من الهيمنة الأجنبية والفساد المالي والإداري، لكنّ يدًا خفية تحركت، وصدرت الأوامر لإيقافه عند لحظة الولادة.
هذا المشروع لم يكن صفقةً مشبوهة ولا مشروعًا حزبيًا، بل مشروع وطن أراد أن يكسر احتكار ثلاث شركات تتحكم برقاب العراقيين منذ سنوات: زين، آسيا سيل، كورك. هذه الشركات امتصّت أموال الدولة دون أن تسدد الضرائب المستحقة، والتي تُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا، في وقت يعيش فيه العراق أزمة مالية خانقة. لم يكن المشروع تهديدًا سياسيًا، بل تهديدًا للفاسدين الذين تواطؤوا مع هذه الشركات، واستفادوا من استمرارها دون منافس وطني.
لقد منح مجلس الوزراء الرخصة الرسمية لشركة السلام بقيمة 861 مليون دولار تُسدد على مدى ثمان سنوات، بمساهمة ثلاث مؤسسات عراقية هي: شركة السلام، صندوق التقاعد، ومصرف التجارة العراقي (TBI). وتم إعداد المشروع بإشراف شركات استشارية عالمية تضمن الشفافية والالتزام الفني والمالي، مع نية التعاقد مع شركة فودافون العالمية لتدريب الكوادر العراقية وإدارة المشروع خلال المرحلة الانتقالية. أي أننا أمام أول مشروع وطني متكامل قانونيًا وماليًا وتقنيًا منذ أكثر من عشرين عامًا، يهدف لتأسيس نواة شركة وطنية ترفع اسم العراق في عالم الاتصالات وتعيد للدولة سيادتها على هذا القطاع الحيوي.
لكن، ما إن اقترب المشروع من التوقيع، حتى بدأت حملة منظمة من التشويه والابتزاز قادها عدد من النواب الذين ادّعوا الحرص على المال العام، بينما هم في الحقيقة يدافعون عن مصالح الشركات الأجنبية التي تموّل دعاياتهم الانتخابية، وتغدق عليهم الأموال مقابل إسقاط أي منافس يهدد وجودها. وتم رفع دعوى قضائية غامضة، لتصدر بعدها أوامر قضائية بإيقاف توقيع الرخصة، وكأن القضاء يُستخدم أداةً سياسية لتجميد قرارٍ سيادي أقرّه مجلس الوزراء. إنها مفارقة لا تُصدق: من ينهب مليارات الدولة يعمل بحرية، ومن يريد أن يبني مشروعًا وطنيًا يتم منعه باسم القانون!
المشروع الوطني للاتصالات لم يكن مجرد عقد أو رخصة، بل كان بوابة لنهضة اقتصادية وفرص عمل لآلاف الشباب العراقيين، الذين ينتظرون أي فرصة تضعهم على سكة المستقبل. فالتعاون مع فودافون لم يكن شكليًا، بل يتضمن برامج تدريب وتأهيل حقيقية في أحدث تكنولوجيا الاتصالات والإدارة الرقمية، ما كان سيمنح العراق جيلاً من المهندسين والفنيين والخبراء القادرين على إدارة قطاع الاتصالات بمعايير عالمية. تخيّل كم شابًّا كان سيغادر طوابير البطالة لينخرط في مشروع يبني خبرته بيده ويخدم بلده! لكنّ هذا الأمل أُطفئ بقرارٍ واحد، لأن بعضهم لا يرى في تقدم العراق إلا خطرًا على مصالحه الانتخابية.
إن من يقف خلف هذا الإيقاف لم يُرد حماية الدولة، بل حماية الفاسدين، فالمشروع لو اكتمل كان سيكشف حجم التهرب الضريبي والمالي الذي تمارسه الشركات الحالية، ويعيد للدولة ملياراتها المفقودة. لقد فُضّل بقاء الوضع الفاسد على ولادة مشروع نزيه، وفُضّل دعم الشركات الأجنبية على دعم الشباب العراقي. إنها خيانة اقتصادية وسياسية في ثوب قانوني، لن تُغتفر لمن تورط فيها أو سكت عنها.
اليوم، لا أحد يخسر بإيقاف المشروع أكثر من العراق نفسه. خسر المال العام، وخسر فرص العمل، وخسر استقلاله الرقمي، وخسر الأمل في أن يكون له مشغل وطني ينافس العالم. في المقابل، كسبت الشركات الفاسدة عامًا جديدًا من الهيمنة والربح المجاني، وكسب بعض النواب ورقة انتخابية يبيعونها للجمهور بشعارات زائفة.
لكن الحقيقة لن تُمحى:
الشعب يعرف من يعطّل ومن يبني، ومن ينهب ومن يحمي، ومن يتاجر باسم القانون ومن يعمل باسم الوطن.
سيأتي يوم تُفتح فيه ملفات هذا المشروع، ويُعرف من الذي أوقفه ولماذا، وعندها سيُقال بوضوح: لقد طُعن العراق في ظهره، لا برصاص العدو، بل بقرارات من داخل بيته.
فمن يوقف مشروعًا يخلق فرص العمل، ويعيد للدولة حقوقها، وينهض بالاقتصاد، إنما يقف ضد العراق نفسه، وضد مستقبله.
والتاريخ لا يرحم من يضع قدميه على طريق الوطن، ثم يبيعه بثمن مقعدٍ في الانتخابات.
ضياء ابو معارج الدراجي