مذكرات رجل لم يعد يخاف من شيخوخته

رياض سعد

في إحدى أمسيات الزمن الهادئة، حيث يتدلى الغروب كقطعة قماش حريرية ملطخة بالعصير القرمزي، التقى حسين بشبحه الجميل، بصديقه الأثير رضائي، في ركن من أركان بيت صديقهما زيد، الذي كان يشبه صندوق ذكريات من خشب الصندل… ؛  كان رضائي أكبر بخمسة عشر ربيعاً، وهي مسافة كافية ليرى من خلالها شقوق المستقبل في جبين الوقت... ؛ و كان رضائي، أستاذًا وقورًا، يحمل في عينيه غبار طرقٍ طويلة، وفي صوته صدى خيباتٍ تعلّمت الحكمة متأخرة... ؛  والذي اعتاد أن يسمّيه حسين في سرّه: وصيّ الروح.

دار بينهما حديث كالدخان المتصاعد من فنجان قهوة مرّة، فتقدم رضائي، بكياسة المستشرق في خريطة نفس، ، كمن يرمي حجرًا في ماءٍ ساكن, وسأل: “كم حفرت في جدار عمرك حتى الآن – أي كم بلغت من العمر – ؟”

أجاب حسين بابتسامة خفيفة : “خمس وثلاثون حفرة… أو نافذة، لا أميّز بعد.”

فانحنى رضائي كشجرة معرفة مثقلة، وتنفس بعمق , وقال بصوت هادر كجدول تحت الأرض: “أنت تعلم موقعك من قلبي، وهو موقع البذرة من التربة… ؛ وتعرف أنني لا أملك لك سوى النصيحة… ؛  وأنا، وإن كنت فقير المال، غنيّ بما علّمتني إيّاه السنوات…  ؛  لذا اسمع، فليس لدي ما أمنحك إياه سوى كلمات كالسيوف الخشبية، تُنحت من جذوع التجارب… .

 ثم أضاف بصوتٍ صار أكثر هدوءًا: يقول المثل الشعبي : ( اللي أكبر منك بيوم أفهم منك بسنة )  وأنا أكبر منك بخمسة عشر عامًا… فدعني أهبك خلاصة ما دفعتُ ثمنه من عمري.

صمت قليلًا، ثم تابع، وكانت عيناه تشعان كفانوسين في نفق طويل: “سيتمزق ستار الواقع الذي تعرفه عند بوابة الأربعين… ؛  ذلك الرقم السحري، حيث نزل الوحي على النبي محمد وهو يحمل رزمة الأربعين نجمًا، وحيث واعد الله موسى أربعين ليلة كانت كأربعين حجرة من نور… ؛  لكن في الظل المقابل، يُقال إن إبليس، ذلك المهرج التراجيدي، يهمس لمن بلغ الأربعين وهو غارق في وحل انحرافه: ‘يا من صِرتَ تمثالاً للخطيئة، أقفلتُ عنك باب التوبة، فدع عنك بحثك عن البوابة’.”

 فالأربعون ليست رقمًا عابرًا يا حسين… ؛  إنها بوابة… ؛ و عندها تتبدّل خرائط الداخل، وتعيد الروح ترتيب أثاثها… ؛  قبلها يركض الإنسان خلف الحياة، وبعدها تبدأ الحياة بالركض خلفه…

 في الأربعين تهدأ فوضى الشباب، ويبدأ الحساب الصامت… ؛  هناك، لا تسألك الأيام عمّا حلمتَ به، بل عمّا فعلتَه…

تأمل حسين فنجانه، فرأى فيه دوائر صغيرة، كأنها أعمار متراكبة…

وأردف رضائي ، مشيرًا بإصبعه الذي يشبه جذرًا عتيقًا: ” لا أطلب منك أن تهرب من العالم، ولا أن تصير ناسكًا قبل أوانه، لكن إياك أن تؤجّل نفسك… ؛  أسوأ ما يمكن أن يحمله الإنسان إلى كهولته هو الفراغ، والكبت، والأسئلة التي لم يجرؤ على عيشها…

نعم , لا أطلب منك أن تلبس ثوب الرهبان وتنكر لذات الجسد… ؛  بل على العكس تمامًا… ؛  اسمع: أمامك خمس سنين فقط حتى تدق أجراس الأربعين… ؛ و هذه هي مهلتك الذهبية… ؛  لا تدع للكبت أن يبني بيته في قبو روحك… ؛  لا تخنق رغبة، ولا تهمل شهوة، حتى تلك الممنوعة والمعلقة في شجرة الخوف والعيب والحرام… ؛  فخطيئة الشباب تُغسل بماء الندم، أما خطيئة الشيخوخة فهي بقعة زيت أبدية على ثوب الكرامة… ؛ و الأفضل أن تسقط ألف مرة وأنت قادر على النهوض، من أن تزحف سقوطًا واحدًا وأنت منهك، فتضحك الأقدار منك وتتفرج على انكسارك العصافير.”

رفع إصبعه كمن يرسم خطًا في الهواء: افعل ما تستطيع الآن، تعلّم، سافر، أحبّ، اخطئ ثم أصلِح… ؛  لأن الخطأ في الشباب درس، وفي الكِبر فضيحة للروح…

كان كلامه يسقط على حسين مثل مطرٍ داخلي…

وأضاف رضائي : حين يتقدّم العمر، تختلط إشارات الجسد، وتغدو الرغبات مترددة، والذاكرة مثقوبة، والنوم ضيفًا مراوغًا… ؛  هناك، لن يكون لديك ترف البداية… ؛  لذلك لا تترك أحلامك مؤجّلة في أدراج الوقت.

وغاصت كلماته في أذن حسين كحبات مطر ثقيلة: “افعل كل ما يخطر ببالك الآن، كي لا تطاردك أشباح ‘لو’ و’ليت ‘ عند الكبر… ؛  لأن الجسد العجوز مخادع؛ رسائله مشوشة… ؛ فقد يهمس لك بالحاجة إلى قضاء الحاجة، فيفاجئك بعاصفة أخرى… ؛  وقد يطلب الطعام، ثم يقابله بالرفض على المائدة… ؛ وقد يدعوك إلى أحضان النوم، ثم يسرق منك الوسادة… ؛  وقد يهيج بذكرى الشبق، ثم يتركك أمام محراب الجسد عاجزًا كصلاة منسيّة… ؛  إنه تمرد الآلة على سائقها، حين يشيخان معًا.”

تلقف حسين الإرشادات كمن يتلقف خريطة كنز مكتوبة بلغة نار… ؛ و قرر أن يعيش كما يعيش الاثرياء ، لا يبخل على روحه بشهوة، ولا على جسده بمغامرة… ؛ و أطلق العنان لقلبه ورجليه، فطاف الأرض كالريح، وعاشر الحب بأشكاله، وأنفق ما ادخره لغده كأن غدًا ضريبة لا يجب دفعها… ؛ و عاش كملك مؤقت على عرش من لحظات، ولم يندم على فلس أنفقه، لأنه كان يشترِي به راحة من شبح الندم.

نعم , خرج حسين من تلك الليلة وهو يحمل في صدره وصيةً تشبه البذرة… ؛ ومضت السنوات … ؛ وعاش حسين كما لو أنه يكتب سيرته بمداد التجربة…

سافر، وقرأ المدن كما تُقرأ الكتب القديمة، أحبّ الناس والطرقات، خاض مغامرات الروح، وبذل من عمره وماله بسخاء، غير نادم، لأنه كان يشعر — أو هكذا ظنّ — أنه يملأ حياته حتى الحافة.

وجاءت الأربعون كحاجز ضبابي عبره بسلام… ؛  ثم انزلق إلى عقد الخمسين فإذا به يتلقى فاتورة الجسد المُترَفة… ؛ اذ هجمت عليه العلل كجيوش غازية، وأصبحت علب الدواء رفاقه الدائمين، ناطقة بصمت عن تداعيات أسفاره السابقة…

وفي ليلة شتوية قاسية، حيث كان البرد يقرض عظام العالم بأنياب زجاجية، استيقظ على إلحاح مثانته نداء طارئًا… ؛  همّ بالنهوض من سريره، متكئًا على ذراع ترتعش كعود نبات جاف، ولكن قبل أن تلمس قدماه الأرض، انفلت السد، وتدفق نهر الصغار دفعة واحدة، يُغرق بياض ثيابه النظيفة المعطّرة، التي أصبحت فجأة كفستان طفل رضيع مذعور.

في تلك اللحظة المهينة الحارقة، التي تجمد فيها بين الفراش والعار، تذكر وصايا المرحوم الاستاذ رضائي ؛  تذكر أن الرجل قد منحه ترياقًا ضد ندم المستقبل… ؛  فنظر إلى الفوضى الجسدية حوله، وابتسم ابتسامة مريرة ملتوية، كشف فيها عن حقيقة لم يدركها من قبل: لقد نجح في الاختبار … ؛  لقد عاش بكل ما أوتي من قوة، حتى صار عجزه الآن مجرد فصل أخير منطقي في رواية مجنونة، وليس فصلاً من فصول الندم على حياة مُهدرة وعمر مسروق … ؛  كان الندم قد مات منذ زمن، وبقي فقط جسد منهك يحمل ذكرياتٍ مشبعةً حتى الثمالة… ؛  ربما كانت هذه هي الحرية المطلقة التي وعده بها صديقه الأثير: حرية أن تكون قد انتهيت، دون أي رصيد من “لو”.

نعم , فجأة تذكّر المرحوم رضائي… ؛ تذكّر صوته، وعينيه، وتلك الجملة التي لم يفهمها وقتذاك تمام الفهم  : بعد الأربعين، لا نعيش كما نشاء… بل كما نستطيع.

ابتسم حسين ابتسامةً باهتة… ؛ أدرك أخيرًا أن النصيحة لم تكن دعوةً للإفراط، بل تنبيهًا رقيقًا:

أن تعيش بوعي، لا بهروب.

أن تزرع في شبابك ما يظلك في شيخوختك.

خرج من الحمام، وجلس قرب النافذة.

كان الفجر يتشكّل ببطء.

وفي قلبه، صار العمر مرآة.