حسين الذكر
من نحن ومن اتى بنا ومن يتحكم بمصائرنا ومن يهدد وجودنا ومن ينهي مسيرتنا ومن ومن .. حتى يشتعل سواد رؤوسنا !
في واحدة من اشكالات الفلسفة المطروحة منذ الاف السنين ، ان احدهم قال :
( لا يوجد شيء وان وجد يصعب فهمه وان فهم احتمالا فعصي نقله الى الاخر ) .. في شرح من زاوية أخرى لمحنة اهل الارض التي لا يشتركون في مجمل تحمل قساوتها التي قيل فيها ( لا سعادة في الدنيا) فحسب … بل هم يتحملون وجع الاغتراب الذي لا يمكن للشعور الانساني تجاهل ما رسخ منه في الاعماق دون تأشير معاناته بلحظة ما ) .
كنت اتوسد وجه الخليقة كاني في عالم آخر اضمحل فيه الامل في ظل واقع قسري يجلدنا بين الحين والحين .. حينما شاهدت من بعيد احدهم كل مخرجاته توحي انه مفقودي من زمن بعيد .. حتى اخضعت تلقائيا لاسئلة حبلى معتصرة في ذات مستسلمة : ( اليس هذا ولدي الذي افتقدته قسرا انه هو .. لا لا ليس هو فولدي قد رحل بمسيرة مجلجلة الدمع نحو قفار موحشة لا يمكن العودة منها .. لكنه يشبهه .. ها هو يقترب مني كانه يحس ذات احساسي ولهفتي .. يا للهول كم انا محبط حد الهوس .. حقا امري غريب مثير السخرية .. كيف اؤمن بعودته بعد ان اهلت عليه التراب بمنتهى الوقاحة .. سبحان الخلاق انه هو بعينه وذاته !.
فتداركت متسائلا .. دعني ارتمي عليه وحتما سيشاركني الالم وربما امل الارتماء .. فحينما اقتربنا حدود الادراك اصبت بخيبة جديدة لا تقل الما عما كنت اعانيه منذ بواكير الوعي حتى استحال العقل لتراب في واحد من مآسي الحياة التي لا تنتهي ولا تفسر انه مجرد شبه عابر او مزحة من مصادفات قدر بلا تقدير ) .
ذات الاسئلة المحيرة ظلت لا تفارقني كلازمة للوعي .. جعلتني ابحث عن الحقيقة لكنها ليست حقيقة خلود كلكامش الذي بكى حبيبه ورفيق دربه انكيدو في واحدة من ممالك الارض التي لا تعني ولا تفسر ملكية صالحة لاي ملك . قلت في ظلامة نفسي: ( ان من يملك الحقيقة المزعومة ليس بالضرورة ان يكون على حق ) . في واحدة من الحقائق التي لا زمتني طوال محطات العمر حيث فقدتفي بواكير شبابي احد معارفي ممن بكيته بحرقة وقد قرات على جدار بيته لافتة تنعيه : ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام ) .. في واحدة من الحقائق التي لا غبار عليها ولم يستطع اي حاكم عادل او طاغية تغيير قواعدها او التستر من ضعفه خلف جدارها الاعجازي .
فعلا ان الميت لا يعود ليس تاكيدا لنص موروث بل جزء من الحقائق الصادحة التي تفرض نفسها على الخلائق اجمع .. فكل مولود ميت ولو بعد حين .. المشكلة لا تنتهي هنا .. بل تبدا بضغط تفسيراتها على الوجود كله .. فاين المصير ولم هذا الفراق الحتمي ومن يقف وراء هذا الفراق الاجباري الذي لن يفلت منه احد .
كنا صغار نتطلع نحو الاعلى في المناطق الخالية من البنايات الشاهقة حيث تلتصق انظارنا وتترسخ عواطفنا بالسماء نلتقط صور تلك المجاميع المتراصة بمختلف انواع الطيور وهي ترسم لوحة هندسية عجيبة على زرقة ثابتة لم تغير طبيعتها تقنيات التطوير ولا اعدادات التحقير .. في واحدة من المعاجز التي تحيط بنا وجعلتنا من اضعف واجهل المخلوقات بل اكثرها غرورا ونحن نتحدى الاخر برفع شعار ( الحيوان الناطق ) .
ما هو الطريق الصحيح الذي علينا ان نقتدي به؟ ولماذا الدنيا تدور عكس المثاليات التي يصر اهلينا على ترسيخها في الضمائر والعقول؟ برغم ثبات خطلها على مر العصور والدهور .. لماذا ينبغي ان نتحلى بخلق ما او بالاحرى ما هو الخلق الاجدر بالتحلي ؟ هل هو الموروث الديني الذي يعدنا بالانبثاق من جديد .. ام الخلق الفلسفي الذي كان سقراط من اوائل المستشهدين على حياض جداريته والمستهدفين جراء اصراره على التشبث بمبادئ اعتقد ثباتها فيما الكون مستغرق بصيرورة الحركة والتغيير الدائم .. ام ان للتقنيات سيما العولمية منها رأي اخر ..
يا ترى ما هو البديل ؟.. من هو الانسان الصالح والاخر الطالح ؟..وما هي الاسس التي ينبغي السير بهداها .. فكونفوشيوس استحالت بذراته الى حضارة جديرة بالتتبع ولو ظلت خامدة لقرون مع انها لا تمثل انموذج ثابت في حال عصي الثبات .. وهذا الحراك في حد ذاته يشكل مشكلة عقلية واشكالية فلسفية جديدة لا تنسجم مع اداء اليات العولمة وحاكميتها في المال والرقاب وعد الانفاس .
حينما سال الفيلسوف سينكا قبل الميلاد بسنوات عن رايه بالحقيقة، قال : ( انها صعبة المنال وتمثل اشكالية كبرى فيما عمري قصير وهي بعيدة عني كل البعد وانا احبو اليها حبوا ) . سنكا – ابن حضارة الاغريق والرومان جدير تصريحه بالدراسة وتتبع اثاره والكشف عما اعتراه ومن علمه تلك الجرأة والصراحة والثبات في عالم متحرك ..
يجب اعادة دراسة ملفات فلاسفة الحق لا لاغراض السيطرة وتقديس ممل .. بقدر ما هي محاولة للافصاح عن مكنون فرض على العالم الكثير من قوانينه التي ما زالت سائدة متحكمة على بني البشر كحقيقة ثابتة اخرى شبيهة بمواكب الجنائز وحكايات الموت غير المنتهية .. والا فلا فضيلة اخلاقية لاحد على احد آخر في ظل سيادة الرذيلة !