عندما تتحول العشيرة إلى دولة عميقة..!

ضياء ابو معارج الدراجي

في عراقٍ تتبدّل فيه الوجوه والرئاسات كما تتبدّل الفصول، تبرز ظاهرة خطيرة لا تقلّ فتكاً عن الفساد المالي والإداري، وهي تحويل عشيرة الرئيس إلى دولة عميقة داخل السلطة الحكومية.

فما إن يصعد أحد أبناء العشيرة إلى قمة الهرم التنفيذي حتى يُحاط بأقاربه ومقرّبيه، ويُغلق الباب أمام الكفاءات والمستقلين من سائر العشائر، فيصبح الحكم أشبه بـ ديوانٍ عشائري لا مؤسسة دولة.

ومن الخطأ الفادح الذي يتكرر في كل دورة سياسية هو إعطاء المناصب لعشيرة الرئيس، من أعلى الهرم نزولاً إلى أدنى المستويات الإدارية، بدءًا من الوزارات والهيئات وصولاً إلى رئاسة الأقسام في الدوائر المدنية والعسكرية.

فهذه السياسة لا تُنتج ولاءً للدولة بل ولاءً للأشخاص، وتحوّل مؤسسات الحكومة إلى أجنحةٍ عشائرية تتصارع فيما بينها حالما تتغير السلطة أو تتبدل الرئاسة.

لكنّ المأساة الحقيقية لا تبدأ عند التمكين، بل عند انتهاء الولاية.

فما إن يغادر الرئيس الكرسي حتى تنهال قرارات الإقصاء على أبناء عشيرته من مواقعهم بقرارٍ من الرئيس الجديد، ويُعامَلون وكأنهم شركاء في خطيئةٍ لم يرتكبوها.

يُستبعدون، يُهمَّشون، وتُجمَّد مناصبهم، ويُمحى ما أنجزوه خلال سنوات حكمهم لأنهم “ينتمون إلى عشيرة الرئيس السابق”، وكأنّ الولاء العشائري أصبح لعنةً تلاحق أصحابها بعد سقوط زعيمهم.

هذه الحالة تُعيدنا إلى سؤالٍ جوهري:
هل نريد دولة مؤسساتٍ تُبنى على الكفاءة والاستمرارية، أم دويلة عشائرٍ تتصارع كل أربع سنوات؟
الرئيس الوطني لا يقيس الناس بانتمائهم القبلي أو الحزبي، بل بقدرتهم على البناء والإنتاج.

فمن يختار الأكفاء خارج دائرته الضيقة هو من يصنع استقرار الدولة، لأنّ مؤسساتها تستمر بعده، والمشاريع تُستكمل، والوقت لا يُهدر في اجتثاث كل ما صنعه السابق.

أما من يملأ مفاصل الدولة بأبناء عشيرته ثم يتركهم لمصيرهم بعد خروجه، فإنه لا يخدمهم ولا يخدم الوطن، بل يورّث العداء ويزرع الانقسام ويُضعف الثقة بين المكونات.

وما عشيرة صدام عنكم ببعيد، فقد كانت المثال الأوضح على كيف يمكن لعشيرةٍ أن تتحول إلى سيفٍ على رقاب الناس، ثم تُصبح بعد سقوط الحاكم عنواناً للعقاب الجماعي والتهميش.

الدولة التي تُبنى على الأسماء لا تعيش، أما الدولة التي تُبنى على الكفاءات فتبقى وتنهض، مهما تغيّر الرئيس وتبدّل الحزب والعشيرة.

ضياء أبو معارج الدراجي