صباح البغدادي
(*)رسالة مشفر إلى من يهمه الأمر في البيت الأبيض ولدول الجوار !
(*) إنها زيارة لا تحتاج تصريحاً، لأن من بيده المفاتيح لا يطرق الباب ؟
(*) باختصار، ما فعله هذا المسؤول الإيراني لم يكن زيارة انتخابية… بل جولة تفقدية في ممتلكاته العقارية.
لقد تأكد بنفسه أن المفاتيح لا تزال في جيبه، وأن الخدم ما زالوا على رأس عملهم، وأن الحديقة – أقصد العراق – لم تذبُل بعد.
يبدو أنّ العراق لم يعد بحاجة إلى لجنة انتخابات مستقلة، ولا إلى مراقبين دوليين، ولا حتى إلى مراقبين محلّيين، ما دام المندوب السامي الإيراني – عفوًا، المستشار السياسي للسفير الإيراني في بغداد – قد تفضّل علينا بزيارته “التفقدية” لمراكز الاقتراع، متجولًا بين صناديق التصويت وكأنّه يتفقد مزارع الشاي في أصفهان! وهذا “التجوال” ليس خرقًا لتعليمات المفوضية فقط، بل هو صفعة على وجه كل من ما زال يتغنى بشعارات السيادة والاستقلال، وصفعة أخرى على وجه من يظنّ أنّ العراق دولة لها قرارها الحرّ. فالرسالة كانت أوضح من أن تُخفى: نحن الإيرانيون ما زلنا هنا، نمسك بالخيوط من خلف الستار، نحرك الدمى ونرسم ملامح المشهد، والبيت الأبيض فليحلم كما يشاء.
المندوب السامي لم يأتِ ليشاهد الديمقراطية العراقية المزعومة، بل جاء ليُذكّر الجميع بأنّ “الانتخابات” عندنا ليست أكثر من مسرحية بديكور وطنيّ وممثلين عراقيين، أما النصّ والإخراج فإيرانيّ بامتياز.
أيّ حكومة لا ترضى طهران عنها، تُلغى قبل أن تُولد، وأيّ مرشح لا ينال البركة من “قم” يُقصى حتى لو فاز في كل المحافظات. المضحك المبكي أن لا جهة رسمية تجرؤ أن تقول له: “قف، هذه ليست أرضك!”، لأن السيادة في العراق تُذكر فقط في نشرات الأخبار، وتُعلّق على الجدران كشعار باهت. أما على أرض الواقع، فالعراق بالنسبة للمسؤول الإيراني ليس سوى محافظة ناعسة تابعة لولاية الفقيه، لها حكومة شكلية وعَلَم وطني يُرفع في المناسبات الرسمية فقط. وتخيلوا – لو أن مسؤولًا أمريكيًا أو سعوديًا أو تركيًا أو حتى من جزر القمر – حاول أن يفعل نصف ما فعله هذا الزائر الهمام! لقامت الدنيا ولم تقعد، ولخرجت قنوات الإطار التنسيقي ومحللوه وهم يصرخون: “انتهاك للسيادة! تدخل سافر! مؤامرة أمريكية جديدة!”
أما اليوم، فالصمت سيّد الموقف، والعيون مطأطأ، والابتسامات باهتة… لأن الزائر من الجهة المحظورة على الانتقاد. فأي مهزلة هذه؟! وأي سيادة تُنتهك على مرأى ومسمع الجميع دون أن يرفّ جفن لأحد؟
إنها ليست مجرد زيارة… إنها إعلان احتلال بلغة دبلوماسية ناعمة، ورسالة وقحة تقول: “العراق لنا، ولن نسمح لأحد أن يغير ذلك، لا واشنطن ولا صناديق الاقتراع.” ويا لها من ديمقراطية مترفة… فيها المندوب السامي الإيراني يتجوّل بين صناديق الاقتراع كما يتجوّل صاحب البيت في حديقته الخلفية، يطلّ على أوراق المصوّتين بابتسامة الواثق، ويصافح موظفي المفوضية كما لو كانوا موظفين في قنصلية بلاده! عن أية عظمة! وعن أيّ سيادة هذه التي تسمح لزائر أجنبي أن يدخل غرف التصويت دون أن يسأله أحد: “من أنت يا رجل؟” ولكن مهلاً… مهلآ … ألسنا نعلم الجواب مسبقاً؟ هو ليس “زائراً أجنبياً”، بل الوصيّ المعتمد على محافظة العراق الإسلامية – الفرع العربي من الجمهورية الأمّ! الزيارة لم تكن دبلوماسية، بل كانت “بياناً بالنوايا”، مكتوباً بحبرٍ ساخرٍ على أوراق التصويت العراقية.
رسالة موجهة إلى واشنطن تقول: “اهدوا، نحن هنا، لم نغادر، ولن نغادر، وهذه صناديقنا، وهؤلاء ناخبونا، وهذه نتائجنا، فاحفظوا تعليقكم لأنّ المسرحية لم تنتهِ بعد.” ويإ للسخرية… لو كان الزائر أميركياً أو تركياً أو سعودياً، لقامت قيامة الحشد وكتائب التحليل الفضائي، وامتلأت الشاشات بعبارات “الاعتداء على السيادة” و”التدخل الأجنبي في الشأن العراقي”. ولكن حين يكون القادم من طهران، تصمت الحناجر، وتبتسم الشاشات، وتتحول السيادة العراقية إلى مجرد عاهرة يتم اغتصابها بين الحين والأخر أو حتى يكون مصطلح أدبي رومانسي، يُقال خجلاً في النشرات المسائية.
إنها زيارة لا تحتاج تصريحاً، لأن من بيده المفاتيح لا يطرق الباب.
ومن يملك القرار لا يستأذن من أحد.
لقد دخل المندوب السامي غرف الاقتراع ليقول، بكل أناقة وفخر:
“اطمئنوا أيها السادة، الانتخابات بخير، نتائجها مضمونة، وولاؤها محفوظ في الحساب الجاري لطهران.”
والأجمل من ذلك، أن أحداً لم يجرؤ أن يسأله:
“أين المفوضية؟ أين القانون؟ أين السيادة؟”
فالقانون يُنفّذ على الضعفاء فقط، والسيادة تُستعمل كشعار في الحملات الانتخابية، والمفوضية لا ترى ولا تسمع حين يكون الزائر من “أصحاب الشأن”. باختصار، ما فعله هذا المسؤول الإيراني لم يكن زيارة انتخابية… بل جولة تفقدية في ممتلكاته العقارية. ولقد تأكد بنفسه أن المفاتيح لا تزال في جيبه، وأن الخدم ما زالوا على رأس عملهم، وأن الحديقة – أقصد العراق – لم تذبُل بعد. أما نحن، فكل ما علينا هو التصفيق، والتظاهر بأننا دولة ذات سيادة، بينما الوصيّ يبتسم من بعيد ويقول لنا بلغة الأسياد: فلا و لا تقلقوا… نحن هنا منذ الأزل، وسنبقى حتى إشعار آخر.”
هذا الانتهاك الأكثر صارخة والذي إثارة للجدل، فهو السماح لمستشار في السفارة الإيرانية وحسب ما بثته قناة الرشيد الفضائية بالتجول بحرية في مراكز الاقتراع، بل والدخول إلى الغرف الخاصة بالتصويت، وكما شاهدناه على منصات التواصل الاجتماعي وهذا التصرف، الذي يُعتبر خرقًا فاضحًا لقوانين الانتخابات التي تحظر أي تدخل أجنبي، يُذكر بالنفوذ الإيراني العميق في العراق منذ 2003، حيث تُدار فصائل الحشد الشعبي كذراع لطهران. فهل يُسمح لمسؤول عراقي بتجول في مراكز اقتراع طهران لـ”مراقبة” الناخبين أو توجيههم؟ بالطبع لا، فهذا سُيُعتبر عدوانًا على السيادة. لكن في بغداد، يبدو أن “الحسن الجوار” مع إيران يعني التنازل عن السيادة، خاصة مع سيطرة “الإطار التنسيقي” الشيعي – المدعوم من طهران – على معظم الكتل الانتخابية. هذا التجول ليس مجرد زيارة؛ إنه إشارة إلى أن الأصوات في المحافظات الشيعية مثل النجف وبابل تُدار عبر شبكات ولائية، حيث يُشترى التصويت بعطايا وتهديدات. ثم جاءت لنا قبل أيام القشة التي كسرت ظهر مصداقية الانتخابات البرلمانية ومن خلال تصريحات المتحدث باسم الخارجية الإيرانية “إسماعيل بقائي” في مؤتمر صحفي، نقلته وسائل إعلام إيرانية رسمية، لتُشعل فتيل التوتر الدبلوماسي: “الانتخابات العراقية تمثل محطة مصيرية لتحديد مستقبل الشعب العراقي”، مشددًا على أن “أي تدخل أجنبي في هذا المسار مرفوض ومُدان من قبل طهران والشعب العراقي والدول المسؤولة في المنطقة”. هذا التصريح، الذي يُقرأ كتحذير للنفوذ الأمريكي (الذي يُتهم يدعم قوائم معارضة للإطار)، أثار ردًا حادًا من وزارة الخارجية العراقية، التي وصفته بـ”التدخل الواضح والمرفوض” في الشؤون الداخلية، مؤكدة أن العملية الانتخابية “شأن وطني خالص يخضع لإرادة الشعب العراقي ومؤسساته الدستورية حصراً”. وهنا تكمن الاستشراقية الحقيقية: حسنآ ولما لا فإيران تُدين “التدخل الأجنبي” بينما تمارسه عمليًا عبر سفارتها ووكلائها، فيما يُجبر العراق على التوازن بين بغداد وطهران، محافظًا على علاقات “متوازنة” مع الجيران او هذا ما يصرحون به لوسائل الإعلام ولكن تبقى الحقيقة كما هي من دون رتوش أو تزويق؟ نعم إيران لديها حصة الأسد من العراق وليس مزاد الدولار للبنك المركزي العراقي عنا ببعيد .**