ظلال الأمس وأجنحة الغد

رياض سعد

عندما يلوّح لك الماضي من نافذةٍ نصف مغلقة، فلا تنخدع بصفير الريح وهي تحمل لك نداءه القديم ؛ فالأصوات التي تأتي من وراء الزمن ليست إلا أصداءً مهشّمة ، لا تستطيع أن تمنحك غير ما منحته من قبل… ؛  الماضي لا يبتكر، لا يعتذر، لا يعيد تشكيل نفسه… ؛  إنّه تمثالٌ من غبارٍ متحجّر، يقف على حافة الذاكرة كعابرٍ فقد الطريق لكنه ما زال يصرّ على سؤالك عن ملامح الطريق الذي فقده.

وحين يناديك الأمس البعيد بيده المرتجفة، فلا تجبه؛ لأن كل ما يحمله لك هو رائحة أيامٍ نضجت حتى الذبول، وأحلامٍ كانت خضراء ثم أكلها الجفاف… ؛  الماضي ليس معلّماً كما يُقال ، بل هو شاهدٌ حجريّ لا يعرف سوى التكرار، يعيد عليك نفس النغمة القديمة، كآلةٍ كُسِرت أزرارها.

الماضي ماضٍ، وقد انسحب من ساحة الوجود دون أن يترك خلفه إلا بقايا صورٍ تشبه الحكايات التي نقرأها قبل النوم ثم نصحو وقد نسينا نصفها… ؛  وما فات فات ، فهو مثل نهرٍ جفّ ماؤه، حتى لو حفظت مجراه لن يعود الماء ليملأه كما كان… ؛  أمّا ما هو آتٍ، فهو طفلٌ يولد من رحم الضوء، لا يعرف لغة العتمة التي خرجت منها، ولا يحمل ملامح الموتى الذين يسكنون الأمس.

إن الفرق بين الماضي والحاضر والمستقبل يشبه الفرق بين الميت والحي وبين الحلم واليقظة… ؛  الماضي جسدٌ باردٌ بلا نبض، يفتح عينيه في الذاكرة لكنه لا يراك … ؛ واما الحاضر فهو نبضةٌ تقفز في صدرك فجأة، ترغمك على الشعور بالحياة كلحظة برق تمزّق الليل … ؛ و أمّا المستقبل، فهو تلك المسافة اللامرئية التي تنمو في داخلك قبل أن تراها ؛ بذرةٌ تتنفس في صمت، تعدك بثمارها حتى قبل أن تتفتح.

لا تفتح بابك للماضي، فالأبواب التي تُفتح له لا تُغلق بسهولة… ؛  دعه يطرق كما يشاء، دعه يصرخ، يتوسل، يشكو؛ ففي النهاية سيغادر حين ييأس من ضيافتك… ؛  أما أنت، فاجلس على عتبة الحاضر، وضع قدميك في طرقٍ لم تُمدَّ بعد، فالمستقبل وحده قادرٌ على أن يمنحك لغتك الجديدة، ظلك الجديد، وربما قلباً جديداً.

فكل ما سيمضي سيصبح حجراً، وكل ما سيأتي سيولد نوراً… ؛  وبين الحجر والنور، يولد الإنسان من جديد.