آية قرآنية (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وانكم الينا لا ترجعون) (ح 10)

د. فاضل حسن شريف

جاء في الامثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: يقول تعالى: “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” ﴿المؤمنون 115﴾ أي أنه لو لم يكن رجوع بعد هذه الدنيا إلى الله، فإن الحياة في هذه الدنيا ليست سوى عبث في عبث. نعم فإن الحياة في هذه الدنيا تجد معناها ويكون لها مفهوما ينسجم مع حكمة الله سبحانه وتعالى عندما تعتبر هذه: الدنيا مزرعة للآخرة و الدنيا قنطرة ومكان تعلم، وجامعة للاستعداد للعالم الآخر ومتجر لذلك العالم، تماما كما يقول أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام في كلماته العميقة المعنى (إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عاقبة لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها، مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله).
وردت عبث ومشتقاتها في آيتين في القرآن الكريم: عَبَثًا و تَعْبَثُونَ قال الله تعالى “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” ﴿المؤمنون 115﴾، و”أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ” ﴿الشعراء 128﴾. جاء في كتاب الكليات لابي البقاء الكفوي: الْعَبَث: هوما يَخْلُو عَن الْفَائِدَة. قَالَ بدر الدّين الْكرْدِي: الْعَبَث هُوَ الْفِعْل الَّذِي فِيهِ غَرَض لَكِن لَيْسَ بشرعي. وَفِي الحدادي: الْعَبَث: كل لعب لَا لَذَّة فِيهِ وَأما الَّذِي فِيهِ لَذَّة فَهُوَ لعب وَقد بالغوا فِي تقبيح الْعَبَث حَتَّى إِن فَخر الإصلام الْبَزْدَوِيّ وَغَيره قرنه مَعَ الْكفْر فِي الْقبْح حَيْثُ قَالَ فِي أُصُوله: وَالنَّهْي فِي صفة الْقبْح يَنْقَسِم انقسام الْأَمر مَا قبح لعَينه. والعبث حَقِيقِيّ: وَذَلِكَ اذا لم يتَصَوَّر فَائِدَة، وعرفي: وَذَلِكَ اذا لم يتَصَوَّر فَائِدَة متعدا بهَا بِالنّظرِ الى الْمَشَقَّة. وعبث فِي النّظر: وَذَلِكَ إِذا تصور فَائِدَة معتدا بهَا لَكِن لَا تكون مَطْلُوبَة عِنْد الطَّالِب.
من تعاريف العبث بانه اللعب. وذكر اللعب في آيات منها قوله جل وعلا”وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ” ﴿الأنعام 91﴾، و”الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ” ﴿الأعراف 51﴾، و”أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ” ﴿الأعراف 98﴾، و”وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ” ﴿التوبة 65﴾، و”أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” ﴿يوسف 12﴾، و”مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ” ﴿الأنبياء 2﴾، و”وَمَا هَـٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ” ﴿العنكبوت 64﴾، و”فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ” ﴿الزخرف 83﴾. قال الشيخ جلال الدين الصغير في كتابه الامامة في ربط العبث باللعب ومعاكسته لخلق الله وعبادته: ولم تحصل نتيجة عبث”وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ” (الدخان 38) وكذا قوله تعالى “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” (المؤمنون 115)، وإذا ما كانت كذلك فثمة هدف يناقض العبث تماما، وهذا الهدف في صورته العامة عبرت عنه الآية الكريمة: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ” (الذاريات 56)، وفي صورته النهاية: “وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ” (الحجر 99).
قد ينصرف الانسان الى اللعب واللهو في شهوات الدنيا ومغرياتها ولكن فتح الله تعالى الفرصباب التوبة والانابة والتكامل، و يد الله ممدودة لكل تائب. والتعامل مع المحرمات يعتبر لعب مثل لعب القمار. قال الله تعالى “أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” ﴿المؤمنون 115﴾ عبثا: بلا حكمة لمجرد العيش واللعب، و”أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ” ﴿الشعراء 128﴾. عن المرجع السيد علي السيستاني: استعمال الملاهي،كالدق على الدفوف والطبول والنفخ في المزامير والضرب على الاوتار على نحو ينبعث منه الموسيقى المناسبة لمجالس اللهو واللعب. القمار سواء أكان باللعب بالالآت المعدة له كالشطرنج والنرد والدوملة أو بغير ذلك، ويحرم اخذ الرهن ايضاً، كما يحرم اللعب بالشطرنج والنرد ولو من دون مراهنة. بل وكذا اللعب من دون رهان بغيرهما من الآت القمار على الاحوط لزوماً. الغناء حرام ومثله قراءة مدائح أهل البيت عليهم السلام بالألحان الغنائيّة، ويحرم في الموسيقى ما يكون مناسباً لمجالس اللهو واللعب. الضرب على الطبل في مواكب العزاء والمراسم العسكريّة ونحوها لا بأس به، كما أنّ الاستماع إلى الصوت المنبعث عنه جائز إلّا ما كان مناسباً لمجالس اللهو واللعب.
جاء في علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم: إن القسم المكي لم يتناول أيضا الأدلة والبراهين على العقيدة وأصولها، على خلاف القسم المدني، وهذا تعبير آخر أيضا عن تأثر القرآن بالظروف الاجتماعية والبيئية، إذ عجزت الظاهرة القرآنية بنظر هؤلاء عن تناول هذا الجانب الذي يدل على عمق النظر في الحقائق الكونية، عندما كان يعيش محمد صلى الله عليه وآله في مكة مجتمع الأميين، بينما ارتفع مستوى القرآن في هذا الجانب عندما أخذ محمد صلى الله عليه وآله يعيش إلى جانب أهل الكتاب في المدينة، وذلك نتيجة لتأثره بهم لانهم أصحاب فكر وفلسفة ومعرفة بالديانات السماوية، ولتطور الظاهرة القرآنية نفسها أيضا. وتناقش هذه الشبهة من وجهين: الأول: أن القسم المكي لم يخل من الأدلة والبراهين”ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون” (المؤمنون 91). وبصدد الاستدلال على البعث والجزاء قوله تعالى: “أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد” (ق 15). وقوله تعالى: “أفحسبتم انما خلقناكم عبثا وانكم إلينا لا ترجعون” (المؤمنون 115).

ورد الرجوع في ايات قرآنية حيث قال الله تعالى “وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ” ﴿الأنبياء 95﴾، و”يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ” ﴿الحج 76﴾، و”وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ” ﴿المؤمنون 60﴾ راجعون الى الله تعالى وهم مؤمنون بذلك، و”حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ” ﴿المؤمنون 99﴾، و”أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ” ﴿المؤمنون 115)، و”وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا” ﴿28 النور﴾، و”فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ” ﴿النور 28﴾، و”قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا” ﴿النور 64﴾ يوم يرجعون اي يوم البعث، و”ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ” ﴿النمل 28﴾ ماذا يرجعون اي يردون الجواب، و”وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ” ﴿النمل 35﴾، و”ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا” ﴿النمل 37﴾، و”وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ” ﴿القصص 39﴾.