د. فاضل حسن شريف
جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ” ﴿فصلت 37﴾ “ومِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والْقَمَرُ”. ذكر سبحانه في كتابه العزيز العديد من الآيات الكونية ودلالتها على الخالق وصفاته، ومن تلك الآيات اختلاف الليل والنهار، وخلق الشمس والقمر. انظر تفسير الآية 27 من سورة آل عمران ج 2 ص 37 “تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ۖ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ۖ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ” (آل عمران 27) وتفسير الآية 37 وما بعدها من سورة يس “وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ” (يس 37) والآية 5 من سورة الزمر “خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ” (الزمر 5) وغيرها من الآيات التي فيها ذكر الليل والنهار والشمس والقمر.
وعن القمر يقول الشيخ مغنية في تفسيره المبين: ولمناسبة ذكر القمر في هذه الآية نشير إلى الحدث العالمي الهام، وهو رحلة رائدي الفضاء: (ونج) و(ادوين) الأمريكيين إلى القمر في صيف سنة 1969، وقد تكلم الناس عنها كثيرا، وسألني أكثر من واحد عن رأي الدين في هذه الرحلة، وأجبت بكلمة نشرتها الصحف، ثم أدرجتها في المجلد الخامس من التفسير الكاشف بمناسبة بعض الآيات، ولما وصل إليها عامل المطبعة شعرت من أعماقي بناصح يأمرني بالعدول عنها فاستنصحته دون ان أعرف السبب. وبعد الانتهاء من طبع المجلد الخامس بقليل ظهر لي ان الخير فيما وقع، ذلك اني قرأت في جريدة الأخبار المصرية عدد 6 – 2 – 1970 مقالا مترجما عن جريدة برافدا السوفيتية لعالمين بارزين في العلوم الطبيعية، وهما (م فاسين) و(أشر باكوف) السوفياتيان.. اطلع هذان العالمان على النتائج التي أعلنها العلماء الامريكيون لدراسة تربة القمر والمعادن الموجودة في أرضه، وقالا: (ان هذه الدراسة ترفض كل النظريات الشائعة عن أصل القمر، ولا تقبل إلا تفسيرا واحدا، وهوان القمر مصنوع صنعا دقيقا ومحكما، وان الذي صنعه قوة خارقة مذهلة تملك من الطاقات ما لا يملكه كائن من الكائنات)، وينتج من هذا ان ما يعتقده الماديون عن الكون هو مجرد أوهام، ونقتطف من هذا المقال الكلمات التالية: (ان الدراسات العلمية الحديثة ترفض كل ما قيل من النظريات والافتراضات عن نشأة القمر، وتبدأ بفكرة جديدة لحل هذا اللغز.. وتقول هذه الفكرة الجديدة: ان صناعة القمر تمت بأيدي (كائنات) متقدمة في علومها وآلاتها الفنية.. ثم (فرملت) حركته بواسطة الأجهزة البالغة التقدم بداخله.. ان في القمر ظواهر غريبة يستحيل أن توجد بالصدفة، وقد اجتهد صانعو القمر كثيرا حتى توصلوا إليها). (ان الغلاف الخارجي للقمر يتكوّن من طبقتين أساسيتين: الأولى طبقة عازلة للحرارة، سمكها حوالي 4 كيلومترات، والثانية سمكها 300 كيلومتر، وفوقها أجهزة وآلات مختلفة تم تصميمها لحماية المحركات. فالقمر – إذن – مذهل الصنع يستطيع تحمّل السفر الطويل والتواجد في مكانه ملايين الملايين من السنين. ولكن يبقى هذا السؤال قائما، وهو إذا كان القمر قد صنعته (كائنات عاقلة متقدمة) فمن أين جاءت هذه الكائنات؟ ولما ذا تكبدت هذا المجهود لصنع هذا الكوكب؟ ألمجرد ان يدور حول كوكبنا بالذات؟. وهنا لا تقدم النظرية الجديدة إجابات. ولكنها تعتقد ان أقرب الافتراضات إلى العقل من أي شيء آخر هوان القمر مصنوع، وقد أحكمت صنعه قوة مذهلة). هذا هو بيت القصيد وشاهدنا من المقال، أعني قول العالمين الشيوعيين: “ان العقل يرفض كل افتراض وتفسير لوجود القمر إلا افتراضا واحدا، وهوان القمر مصنوع، وان الذي صنعه قوة مذهلة”. أجل، هو مصنوع وصانعه لا شريك له ولا مثيل، وهندسته هي التي أرشدتنا إلى ذلك.
ثم يقول الشيخ محمد جواد مغنية عن حقيقية خق الليل والنهار والشمس والقمر: أما قول العالمين: صنعته كائنات متقدمة وفرملته أجهزة خارقة بالغة الدقة.. وان صانعيه بذلوا جهدا كبيرا في صنعه لأجل إخراجه، أما هذا القول فإنه اعتراف صريح بأن ما في القمر من دقة وإحكام لا يكون ومحال أن يكون إلا من لدن قدير حكيم ليس كمثله شيء، وهو الخلاق العليم.. ونحن على يقين بأننا سنقرأ في المستقبل القريب اعترافات أوضح تهدم أقوال الماديين ونظريات الملحدين، وتثبت بالحس والتجربة ان وراء هذا الكون قوة قاهرة تقول للشيء كن فيكون.. وهذه نتيجة لا مفر منها لتقدم العلوم وانطلاق العقل نحو الكون العجيب. وهنا يكمن السر لقوله تعالى: “أَولَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأَرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ” (الأعراف 185). وقوله: “هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ” (لقمان 11). وقوله: “إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” (الرعد 4). “لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ” ﴿فصلت 37﴾. ضمير الإناث في خلقهن يعود إلى الليل والنهار والشمس والقمر، أو إلى جميع الكواكب، وعبّر سبحانه عنها بالشمس والقمر لأنهما أظهر الأفراد. وقد اتفق الفقهاء قولا واحدا على أنه يجب أن يسجد قارئ هذه الآية ومن استمع إليها، وقال بعضهم: بل ومن سمعها من غير قصد. وهي تخاطب الصابئة الذين عبدوا الكواكب لما فيها من المنافع، تخاطبهم وتقول لهم: ان اللَّه هو الذي خلق الكواكب وسخرها لمنافع العباد، وما هي إلا مخلوقات مثلنا تتوجه إليه تعالى بالسجود وتعترف له بالعبودية.