صنّاع الطغيان
كتب رياض الفرطوسي
في كل عصر، يولد الحاكم مرتين: مرةً حين يعتلي المنصب، ومرة حين تُشيَّد حوله عروشٌ من الكلام. فالغريب أن السلطة، مهما تغيّرت وجوهها، تظلّ تجذب من حولها ذلك السرب المألوف من الأصوات الصدّاحة؛ أصواتٌ تتبارك بالقرب، وتعيش على فتات الهيبة، وتُطلق من المديح ما يكفي لتشييد قارة جديدة من الأوهام.
إننا، نحن البشر، نملك موهبة نادرة في صناعة الآلهة من الطين. كل ما نحتاجه كرسي مرتفع، وجدران عالية، وبعض الصلاحيات… ثم يبدأ السحر الأسود بالعمل: تتكاثر القصائد، تزدهر المدائح، وتُصبغ على الحاكم صفات لا يقرّ بها حتى في لحظات وحدته. يتضخم الرجل حتى يغدو أكبر من ذاته، وأكبر من التاريخ ذاته، بينما يعرف هو في قرارة نفسه أنه مجرد بشر، يرتجف إذا سمع خبراً سيئاً، ويضطرب قلبه إذا خاف، ويتعب كأي إنسان آخر.
لكن الشعوب—بشيء من الخوف، وبشيء من التعلّق بالمعجزة—تصنع حوله هالةً تتوهّج كلما اقتربوا منها.
ثم يحدث ما يشبه اللغز: يتحوّل نقد الحاكم إلى جريمة، والصمت حيادًا خبيثاً، أما المديح فيصير واجباً وطنياً، مثل النشيد الرسمي أو مراسم رفع العلم.
وليس التاريخ بخيلًا بالأمثلة. فالمدائح التي تُنسج حول القادة تتغيّر ألحانها، لكنها لا تغيّر طبيعتها: تبدأ بمديحٍ صغير يُولد من الخشية، ثم يكبر ويتمدّد حتى يصبح نظامًا كاملًا من الأساطير. والشعوب—ما لم تتعلم الشك—تقع في حبّ هذه الأسطورة، تُصدّق ما تشتهيه، وتتناسى ما ترفضه.
الحاكم القوي، في المخيال الجمعي، ليس ذلك الذي يبني دولة قوية، بل ذاك الذي يُرى على الشاشات مُحاطاً بالعسكر.
والحاكم الكريم ليس الذي يُصلح الاقتصاد، بل ذاك الذي يوزّع الهبات كأنه يمسح على رؤوس الأيتام.
وهكذا، يُصنع الوهم طوبةً فوق طوبة، ويُهدهد الناس أنفسهم بمدائح تُهندس الواقع خارج المنطق.
المشكلة ليست في الحاكم وحده؛ فالحاكم، مثل أي بشري، يضعف أمام المديح المتواصل. المشكلة الأكبر في أولئك الذين يزرعون حوله الغابة التي تُخفي الشمس: إعلاميون يبتسمون أكثر مما ينطقون، شعراء يحوّلون الحاكم إلى أسطورة، وخبراء يختصرون العالم في رأيه، كأن الحقيقة لا تقف إلا حين يأذن.
والمفارقة أن الجماهير التي تهتف للزعيم صباحاً ، هي نفسها التي تشتم صورته حين يسقط مساءً. لا شيء يفتك بالأساطير أكثر من لحظة الحقيقة؛ لحظة يدرك فيها الناس أنهم لم يكونوا يعجبون بالحاكم بقدر ما كانوا يتقنون فنّ الخوف منه… أو من فقرهم.
لعل السؤال الأكبر ليس: لماذا يتغوّل الحاكم؟
بل: لماذا نتركه يتغوّل؟ لماذا نضيف إلى سلطته سلطة الخرافة؟
ربما لأن الإنسان، في لحظات الانكسار، يحتاج إلى بطلٍ يسلّمه قياده، حتى لو كان هذا البطل مجرد ظلّ طويل لرجلٍ واحد. وربما لأن الشعوب التي تُقصي العقل تفتح الباب واسعاً لعودة الطغيان كل مرة.
إن التحرر الحقيقي يبدأ حين يتحرر الناس من وهم القائد المخلّص، حين يفهمون أن الحاكم موظفٌ كبير، لا نصف نبيّ، وأن قيمته تُقاس بما يفعله لا بما يُقال عنه.
فالحاكم الذي يحتاج إلى مديحٍ كي يقف، لن يقف حين يعصف به الزمن.
أما الحاكم الذي تُنصفه العدالة والناس، فلا ضرورة لطبولٍ تقرع من أجله.
وهكذا تبقى الحقيقة بسيطة كحبّة قمح:
القوة التي تُبنى على المديح تنهار بالهتاف الأول.
والحاكم الذي يصنعه الناس بالكلام… يهدمونه بالكلام أيضاً.