مفهوم النقمة و الانتقام في القرآن الكريم

د. فاضل حسن شريف

القصاص كعقاب مكلف من قبل القانون والأنتقام كعقاب شخصي غير مرخص قانونيا. يعرف مصطلح “القصاص” بأنه العقوبة التي يرتكبها شخص بسبب فعل خاطئ أو إجرامي، وينبغي أن تكون العقوبة بما يتناسب مع خطورة الجريمة أو الخطأ الذي لحق. والمثال الشعبي على ذلك هو الحكم على شخص بالإعدام بسبب القتل، ولا سيما إذا كانت خطورة الفعل القاتل ذات طبيعة بالغة الخطورة تنطوي على أفعال لاإنسانية وأعمال تتنافى مع قيم المجتمع ومعاييره. وهكذا، فإن القصاص هو شكل من أشكال العقوبة التي تفرضها الدولة أو السلطة القضائية حيث تقوم الدولة بتسديد المجرم عن طريق إخضاعه لتجربة تتناسب مع الجريمة أو الخطأ المرتكب. وتسمى أيضا العدالة الأنتقامية أو العقوبة الأنتقامية. قد يبدو أن الأنتقام هو نفسه الأنتقام من حيث أنه بمثابة شكل من أشكال الاسترداد أو الحصول على حتى. ومع ذلك، فإن القصاص يختلف لأنه مكلف بموجب القانون وينفذ بهدف ضمان العدالة والمساواة. وعلاوة على ذلك، يسعى القانون إلى تعويض الضحية عن الضرر أو الخطأ. الأنتقام، في المقابل، هو شكل من أشكال العقاب الشخصي، واحد لا يعاقب عليه القانون. الهدف النهائي من القصاص هو معاقبة مرتكب الجريمة أو الجاني وضمان تقديم العدالة للضحية والجمهور ككل. الأنتقام، مع ذلك، هو شكل من أشكال الاسترداد، لضمان تقديم العدالة الشخصية. وهكذا، فإن الهدف من الأنتقام هو الأنتقام أو الحصول على حتى. لا يتم القصاص إلا على الجرائم والأخطاء المعترف بها في القانون. إنها ليست شخصية ولا تغذيها الرغبة في السعي الدائم لمعاناة المرتكب. وبدلا من ذلك، تفرض عقوبة تتناسب مع جسامة الجريمة أو الخطأ. وعلاوة على ذلك، تحكمه قواعد إجرائية وقواعد سلوكية.

جاء في معاني القرآن الكريم: نقم نقمت الشيء ونقمته: إذا أنكرته، وإما باللسان، وإما بالعقوبة. قال تعالى: وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ” (التوبة 74)، “وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ” (البروج 8)، “هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا” (المائدة 59). والنقمة: العقوبة. قال: “فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ” (الأعراف 136)، “فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا” (الروم 47)، “فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ” ﴿الزخرف 25﴾.

قال الله تعالى “ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ” (التكاثر 8) وفي تفسير الميزان للسيد الطباطبائي وكذا ظاهر السياق أن المراد بالنعيم مطلقه وهو كل ما يصدق عليه أنه نعمة فالأنسان مسؤول عن كل نعمة أنعم الله بها عليه. وذلك أن النعمة إنما تكون نعمة بالنسبة إلى المنعم عليه إذا استعملها بحيث يسعد بها فينتفع وأما لو استعملها على خلاف ذلك كانت نقمة بالنسبة إليه وإن كانت نعمة بالنظر إلى نفسها. فاستعمال هذه النعم على نحو يرتضيه الله وينتهي بالأنسان إلى غايته المطلوبة هو الطريق إلى بلوغ الغاية وهو الطاعة، واستعمالها بالجمود عليها ونسيان ما وراءها غي وضلال وانقطاع عن الغاية وهو المعصية، وقد قضى سبحانه قضاء لا يرد ولا يبدل أن يرجع الأنسان إليه فيسأله عن عمله فيحاسبه ويجزيه. وفي تفسير القمي باسناده عن جميل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: “لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ” (التكاثر 8) قال: تسأل هذه الأمة عما أنعم الله عليها برسوله ثم بأهل بيته.

قال الله تعالى “وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ” (الشعراء 84) قال الامام علي بن ابي طالب عن اللسان (الكلام في وثاقك مالم تتكلم به، فإذا تكلمت به صرت في وثاقه فاخزن لسانك كمت تخزن ذهبك وورقك فرب كلمة سلبت نعمة وجلبت نقمة). قال الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا مالك الملوك، وملك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد إذا أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد إذا عصوني حولت قلوبهم عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإن صلاحهم بصلاحكم).

ما أسبغ عليهم من عافية ونعمة، فيزيل بذلك عنهم، ويسلط عليهم عقابه، ويصب عليهم سوط عذابه، حتى يغيروا ما بأنفسهم من شكر نعمه بإخلاص عبادته وحسن طاعته، والوقوف عند حدوده، والأنتفاع بوصاياه ومواعظه، إلى الكفر بأنعمه، وتضييع حقوقه، وتجافي القلوب عن حظيرة قربه وحبه، واستلقائها في خرطوم الشيطان راضية بما ينفث فيها من سموم الشرك والشهوات والفسوق والعصيان، والجرأة على انتهاك حرمات الله، والعدوان على حدوده في غير خجل ولا وجل، وتنكب وصايا الله الحكيمة الرحيمة، ونسيان عظاته والإعراض عن آياته، والخوض في الأموال والأعراض والدماء بالبغي والظلم والفساد، واتخاذ آيات الله هزوًا، ودينه لهوًا ولعبًا، وموت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والمسارعة إلى طاعة الهوى، والاحتيال على تحليل ما حرم الله لإرضاء ذوي الرياسة، وتحريم ما أحل الله بالكذب والقول بالباطل، لأنه على غير ما تهوى الأنفس، والتتابع في إشباع الشهوات البهيمية، حتى تنحل الأخلاق وتنعكس الفطر، فتنهر الرجولة وتتلاشى بالتخنث، ويتلاشى حياء الأنوثة وخفرها وعِفتها بالتهتك والاستهتار والدعارة والفجور،فإذا غلب ذلك على القوم واستحكم فيهم، أحلهم الله دار البوار، وإذاقهم العذاب الأليم، وبدَّلهم مكان النعمة نقمة، ومكان الرحمة غضبًا وسخطًا، ومكان العز ذلاًّ، ومكان الأمن خوفًا، وجعل كل أمرهم فرطًا، ولقَّاهم في كل حياتهم غيًّا، وجعل عيشهم نكدًا، وسلط عليهم أنواع البلايا والمحن في أنفسهم وأولادهم، وأزواجهم وأموالهم وحكامهم، حتى يدع الحليم فيهم حيرانًا، وما يزال أمرهم كذلك في سفل وشقاء متزايد، ونكد بعد نكد، حتى يدمر الله عليهم، فيكونوا نكالًا لما بين يديهم وما خلفهم وموعظة للمتقين: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا” (الإسراء 16-17)، “وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ” (النحل: 112)، “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ” (إبراهيم: 28، 29)، “وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ” (هود 117)، “وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ” (الحج 44-45).

من الحكم على مساوئ الأنتقام: (مَن انتقم فقد شَفَى غَيْظه، وأخذ حقَّه، فلم يجب شُكرُه، ولم يُحمَد في العالمين ذِكْرُه)، و (لا ظفر مع بغي ولا سؤدد مع انتقام)، و (فما انتقم أحدٌ لنفسه قطُّ إلَّا أعقبه ذلك ندامة)، و (لا يحملنَّك الحَنَق على اقتراف إثم، يشفي غيظك، ويسقم دينك). ان تقوى و مخافة الله فان البركات تنزل على الاقوام المؤمنة “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ” (الأعراف 96). بينما ال فرعون نزلت عليهم النقمة “وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ” (الأعراف 130).