أعداد وتحليل وتقديم صباح البغدادي
قبل حوالي الساعة من الآن وبتوقيت سوريا 02:08:58 صباحًا بتوقيت دمشق (UTC +3) من يوم السبت 20 ديسمبر 2025 وفي ضربة جوية لم تكن مفاجئة لنا فلم تعد العمليات الأمريكية الأخيرة في البادية السورية، المعروفة باسم «عين الصقر»، مجرد ردّ على مقتل جنود أمريكيين في 13 ك1 ، بل تحوّلت إلى حملة واسعة النطاق استهدفت — وفق المعطيات الأولية — أكثر من سبعين هدفًا محتملًا. غير أن اتساع رقعة الضربات يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعتها، وأهدافها الحقيقية، والكلفة الإنسانية المترتبة عليها. ففي مسرح عمليات معقّد كسوريا، حيث تتداخل الجغرافيا العسكرية مع الامتداد المدني، يصبح أي قصف لا يستند إلى تدقيق استخباراتي صارم أقرب إلى الانتقام منه إلى الرد المدروس. وإذا ما ثبت سقوط ضحايا مدنيين نتيجة هذه الضربات، فإن ذلك لا يُعد خطأً عرضيًا، بل إخفاقًا استراتيجيًا يُقوّض شرعية العملية برمتها.
صحيح أن واشنطن تسوّق عملياتها على أنها جزء من الحرب المستمرة ضد داعش، لكن القراءة الأوسع تشير ألينا إلى أن الرسالة الأساسية موجهة إلى الميلشييات الولائية المرتبطة بإيران في العراق، وإلى كل من يهدد الوجود العسكري الأمريكي. هنا، تستخدم الولايات المتحدة ساحة البادية السورية لتوسيع نطاق الرد، متجنبةً الاحتكاك المباشر داخل العراق، ولكن على حساب تعقيدات إنسانية وأخلاقية لا يمكن تجاهلها.
إن استهداف أكثر من سبعين موقعًا في فترة زمنية قصيرة يضع مصداقية مفهوم «الضربات الدقيقة» على المحك. فالقوة لا تُقاس بعدد الأهداف المدمرة، بل بقدرة الفاعل العسكري على تحقيق الردع دون إنتاج أزمات جديدة، أو دفع المدنيين ثمنًا لا علاقة لهم به. على المستوى المعلن، تندرج هذه الضربات ضمن إطار الحرب المستمرة على تنظيم داعش ومنع إعادة تموضعه في المناطق الرخوة أمنيًا. غير أن القراءة الاستراتيجية توضح أن العمليات تحمل في طياتها رسائل ردع أوسع، موجهة إلى الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في العراق، وإلى الجهات التي تهدد الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة. وحتى هذه اللحظة، تشير المعلومات المتداولة إلى استهداف أكثر من سبعين هدفًا محتملًا في سوريا ضمن العمليات العسكرية الأمريكية الأخيرة. ورغم أن هذا الرقم يعكس حجمًا غير مسبوق نسبيًا من الضربات، إلا أنه يفتح في الوقت ذاته بابًا واسعًا للتساؤل والقلق.
ففي مسرح عمليات معقّد كالبيئة السورية، لا يمكن فصل الأهداف العسكرية عن الامتداد المدني المحيط بها. وأي قصف يُنفَّذ دون تدقيق استخباراتي صارم ومتدرج، يُعرّض المدنيين الأبرياء لخطر الوقوع كضحايا جانبيين، وهو ما يحوّل العملية من رد فعل مدروس إلى سلوك أقرب إلى الانتقام. وإن سقوط ضحايا مدنيين — إن ثبت — لن يكون مجرد خطأ تكتيكي، بل خطأ استراتيجي بامتياز. فمثل هذه النتائج تُضعف الخطاب الأمريكي القائم على «الضربات الدقيقة»، وتمنح الخصوم مادة جاهزة لتشويه صورة العملية، بل وتغذية دوائر العنف وعدم الاستقرار.
كما تندرج هذه العمليات في سياق الضغط السياسي–الأمني المتصاعد باتجاه ملف حصر السلاح بيد الدولة العراقية. فواشنطن باتت ترى أن استمرار وجود فصائل مسلحة خارج الإطار الرسمي يُقوّض الاستقرار الأمني ويهدد قواتها، وهو ما يدفعها إلى استخدام القوة العسكرية كأداة مكملة للضغط الدبلوماسي.
وعلى مستوى أوسع، تؤكد هذه العمليات استمرار التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على وجودها العسكري في العراق، ورفضها لمحاولات فرض انسحاب قسري عبر أدوات عسكرية غير نظامية. ومن ثم، يمكن النظر إلى «عين الصقر» بوصفها إعادة ضبط لقواعد الاشتباك أكثر من كونها عملية تكتيكية معزولة.
الساعات القليلة المقبلة، ومع انكشاف تفاصيل الضربات وتبدد ضباب اللحظة الأولى، ستكون كفيلة بإظهار حقيقة ما جرى: هل نحن أمام عملية محسوبة الأهداف، أم أمام رد فعل متسرّع لم يراعِ الكلفة الإنسانية والسياسية؟ وفي النزاعات المعقّدة، لا تُقاس القوة بعدد الأهداف التي تُدمَّر، بل بقدرة الفاعل على تحقيق أهدافه دون دفع الأبرياء ثمنًا مضاعفًا. في المقابل، يثير اتساع العمليات تساؤلات حول مستوى التدقيق الاستخباراتي في اختيار الأهداف، خصوصًا في بيئة عمليات تختلط فيها المواقع العسكرية بالمناطق المدنية. ويُعد خطر سقوط ضحايا مدنيين عاملًا حاسمًا في تقييم نجاح أو إخفاق هذه الضربات، ليس فقط من منظور إنساني، بل أيضًا من زاوية الكلفة السياسية والاستراتيجية. تعتمد الولايات المتحدة، في هذا السياق، مبدأ توسيع ساحة الرد لتفادي التصعيد المباشر داخل العراق، مع الإبقاء على قدرة الردع. غير أن فعالية هذا النهج تبقى مرهونة بمدى التزامه بضبط القوة وتجنّب النتائج العكسية. ومع انقضاء الساعات الأولى وانكشاف تفاصيل العمليات، ستتضح الصورة بشكل أدق: هل نجحت «عين الصقر» في تحقيق ردع محسوب بأقل كلفة ممكنة، أم أنها فتحت الباب أمام تداعيات إنسانية وسياسية قد تحدّ من أهدافها المعلنة. ومع انقشاع ضباب الضربة الأولى، ستتكشف حقيقة هذه العمليات: هل كانت إعادة ضبط محسوبة لقواعد الاشتباك، أم اندفاعًا عسكريًا واسعًا قد يعيد تدوير العنف بدل احتوائه؟
متابعتنا والرأي في القراءات السياسية والأمنية بأن قيادات الإطار التنسيقي، إلى جانب قيادات الفصائل المسلحة الولائية المرتبطة بإيران ضمن الحشد الشعبي، قد استوعبت الرسائل الكامنة في العمليات الأمريكية الأخيرة، باعتبارها لا تقتصر على تنظيم داعش فحسب، بل تمتد لتشمل كل الفاعلين المسلحين الذين قد يفكرون في استهداف الوجود الأمريكي في العراق أو سوريا، وربما في ساحات إقليمية أخرى. وتشير هذه القراءة إلى أن واشنطن تسعى إلى ترسيخ معادلة ردع شاملة، مفادها أن أي قرار بالتصعيد ضد القوات أو المصالح الأمريكية لن يُواجَه بردّ موضعي أو محدود، بل قد يقود إلى استهداف مباشر للقيادات أو البنى العسكرية، بغض النظر عن الساحة الجغرافية التي ينطلق منها التهديد. وفي هذا الإطار، لا تبدو الرسالة موجهة إلى الساحة العراقية وحدها، بل تتجاوزها لتشمل أطرافًا إقليمية أخرى، من بينها حزب الله، في محاولة أمريكية واضحة لربط الساحات وتوحيد قواعد الاشتباك ضمن تصور ردعي واحد. وعليه، يمكن القول إن هذه العمليات تمثل تحذيرًا استباقيًا عالي السقف، يهدف إلى إعادة ضبط سلوك الفاعلين المسلحين، قبل انتقال المواجهة إلى مستويات أكثر تعقيدًا يصعب احتواؤها سياسيًا وأمنيًا.
فلم تعد الرسالة الأمريكية الأخيرة خافية على أحد. فقيادات الإطار التنسيقي، وكذلك قادة الفصائل الولائية المسلحة التابعة للحشد الشعبي، يدركون اليوم أن عمليات «عين الصقر» لم تكن موجهة ضد داعش وحده، بل كانت إنذارًا صريحًا لكل من يفكر في استهداف الوجود الأمريكي، سواء في العراق أو سوريا أو حتى لبنان.
الرسالة واضحة: الساحات باتت مترابطة، والرد لن يكون موضعيًا. ومن يعتقد أن استهداف المصالح الأمريكية يمكن أن يمرّ دون كلفة مباشرة، يخطئ في تقدير المرحلة. فواشنطن، على ما يبدو، قررت الانتقال من سياسة الاحتواء إلى سياسة تسمية الخصوم ضمنيًا، ووضعهم جميعًا تحت مظلة ردع واحدة. وما يجعل هذه الرسالة أكثر خطورة هو أنها لا تستهدف البنى العسكرية فقط، بل تُلمّح إلى أن مصير القيادات التي تتخذ قرار التصعيد قد يكون معروفًا سلفًا، في حال تجاوز الخطوط الحمراء الأمريكية.
في هذا السياق، لم يعد السؤال المطروح: هل وصلت الرسالة؟
بل: هل ستُقرأ جيدًا من قبل قيادات آلإطار التنسيقي والفصائل الولائية المسلحة قبل فوات الأوان؟
القيادة المركزية الأمريكية تطلق عملية “عين الصقر” ضد تنظيم داعش في سوريا
القيادة المركزية الأمريكية
تامبا، فلوريدا – في أعقاب الهجوم الذي استهدف القوات الأمريكية والقوات الشريكة يوم السبت الماضي، بدأت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عملية عين الصقر في تمام الساعة الرابعة مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش في سوريا، يوم 19 ديسمبر/كانون الأول، بتوجيهات من القائد العام.
استهدفت قوات القيادة المركزية الأمريكية أكثر من 70 هدفاً في مواقع متعددة في أنحاء وسط سوريا باستخدام طائرات مقاتلة ومروحيات هجومية ومدفعية. كما قدمت القوات المسلحة الأردنية الدعم بطائرات مقاتلة. استخدمت العملية أكثر من 100 ذخيرة للأستهداف الدقيق لمواقع البنية التحتية ومخازن الأسلحة التابعة لتنظيم داعش.
قال الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية: “هذه العملية حاسمة لمنع تنظيم داعش من التخطيط لهجمات إرهابية ضد الولايات المتحدة”. وأضاف: “سنواصل ملاحقة الإرهابيين الذين يسعون إلى إلحاق الأذى بالأمريكيين وشركائنا في المنطقة بلا هوادة”.
بعد هجوم 13 ديسمبر/كانون الأول على أفراد أمريكيين وسوريين، نفذت القوات الأمريكية وقوات التحالف 10 عمليات في سوريا والعراق أسفرت عن مقتل أو اعتقال 23 عنصراً إرهابياً.
وقد نفذت القوات الأمريكية وقوات التحالف في سوريا أكثر من 80 عملية خلال الأشهر الستة الماضية للقضاء على الإرهابيين الذين يشكلون تهديدا مباشرًا للولايات المتحدة والأمن الإقليمي.