مفهوم الكلمة في القرآن (ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” (ال عمران 45) “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ” قال ابن عباس: يريد جبرائيل “يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ” يخبرك بما يسرك “بِكَلِمَةٍ مِنْهُ” فيه قولان أحدهما: إنه المسيح سماه كلمة، عن ابن عباس وقتادة وجماعة من المفسرين. وإنما سمي بذلك لأنه كان بكلمة من الله من غير والد، وهو قوله: “كُنْ فَيَكُونُ” يدل عليه قوله: “إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ” الآية. وقيل: سمي بذلك لأن الله بشر به في الكتب السالفة، كما يقول الذي يخبرنا بالأمر إذا خرج موافقا لأمره: قد جاء كلامي. فمما جاء من البشارة به في التوراة: (أتانا الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران) وساعير: هو الموضع الذي بعث منه المسيح. وقيل: لأن الله يهدي به، كما يهدي بكلمته والقول الثاني: إن الكلمة بمعنى البشارة، كأنه قال ببشارة منه ولد “اسْمُهُ الْمَسِيحُ” فالأول أقوى، ويؤيده قوله: “إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ”. وإنما ذكر الضمير في “اسْمُهُ” وهو عائد إلى الكلمة، لأنه واقع على مذكر، فذهب إلى المعنى. واختلف في أنه لم سمي بالمسيح فقيل: لأنه مسح بالبركة واليمن، عن الحسن وقتادة وسعيد. وقيل: لأنه مسح بالتطهير من الذنوب. وقيل: لأنه مسح بدهن زيت بورك فيه، وكانت الأنبياء تمسح به، عن الجبائي. وقيل: لأنه مسحه جبرائيل بجناحه وقت ولادته، ليكون عوذة من الشيطان. وقيل: لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله. وقيل: لأنه كان يمسح عين الأعمى فيبصر، عن الكلبي. وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة بيده إلا برئ، عن ابن عباس في رواية عطا والضحاك. وقال أبو عبيدة: هو بالسريانية (مشيحا) فعربته العرب. “عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ” نسبة إلى أمه ردا على النصارى قولهم إنه ابن الله “وَجِيهًا” ذا جاه وقدر، وشرف “فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” إلى ثواب الله وكرامته.

عن تفسير الميسر: قال الله تعالى عن وجيها “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” ﴿آل عمران 45﴾ وجيها اسم، وجيها: شريفاً، ذا وجاهة و جاه، من الوجه الذي هو أشرف الجوارح في جسم الإنسان. وجيها: ذا جاهٍ و قدْرٍ و شرف. الْمَسِيحَ: ال اداة تعريف، مسيح اسم علم، المسيح: لقب من الألقاب المشرِّقة، قيل: لُقب النبي عيسى به لأنه ممسوح بالدهن، أو لأنه كثير السياحة و المسح للأرض، و قيل: أصل معناه بالعبرية المبارك. وما كنت يا نبي الله هناك حين قالت الملائكة: “يا مريم إن الله يُبَشِّرْكِ” بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي يقول له: “كن”، فيكون، اسمه المسيح عيسى ابن مريم، له الجاه العظيم في الدنيا والآخرة، ومن المقربين عند الله يوم القيامة. ووعن تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” ﴿آل عمران 45﴾ اذكر “إذ قالت الملائكة” أي جبريل “يا مريم أن الله يبشرك بكلمة منه” أي ولد “اسمه المسيح عيسى بن مريم” خاطبها بنسبته إليها تنبيها على أنها تلده بلا أب إذ عادة الرجال نسبتهم إلى آبائهم، “وجيها” ذا جاه “في الدنيا” بالنبوة “والآخرة” بالشفاعة والدرجات العُلا، “ومن المقرَّبين” عند الله.

جاء في التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” (ال عمران 45) والمراد بالملائكة هنا جبريل، لقوله تعالى في سورة مريم: “فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا”. حيث المراد بالروح هو جبريل، وذكره بلفظ الجمع، لأنه رئيس الملائكة، وكلمة منه إشارة إلى قوله تعالى: “كُنْ فَيَكُونُ”. “وَجِيهاً فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ الْمُقَرَّبِينَ”. أما وجاهته في الدنيا فهي تقديس الناس وتعظيمهم له إلى يوم يبعثون، أما في الآخرة فلعلو درجاته غدا عند اللَّه. وعن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” (ال عمران 45) هذه الآية تبيّن حادث ولادة المسيح الذي يبدأ بتقديم الملائكة البشارة لمريم بأمر من الله قائلين لها إنّ الله سوف يهب لكِ ولداً اسمه المسيح عيسى بن مريم، وسيكون له مقام مرموق في الدنيا والآخرة، وهو مقرّب عند الله. ولابدّ من الإشارة هنا إلى بضع مسائل: 1 ـ في هذه الآية وفي آيتين أُخريين يوصف المسيح بأنّه (الكلمة) وهو تعبير موجود في كتب العهد الجديد أيضاً.

جاء في کتاب تفسير القرآن الكريم للسيد مصطفى الخميني: معنى (اسم) إن الاسم يطلق على الألفاظ الموضوعة، ويحمل عليها، ويقال: زيد اسم، والشجر اسم، والكتاب اسم، ويطلق على الذات والأعيان الخارجية، كما في قوله تعالى: “إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم” (ال عمران 45)، وإذا كان هي الكلمة، وكانت الكلمة تنقسم إلى الاسم والفعل والحرف، فلا محالة يطلق عليه الاسم دون الفعل والحرف، فعيسى كلمة الله واسم. فما هو معنى الاسم أمر جامع بين تلك الألفاظ والمسميات. فما في بعض كتب تفسير أهل العصر من أن قول بعض الباحثين في الفلسفة: إن الاسم يطلق على نفس الذات والحقيقة والوجود والعين، وهي عندهم أسماء مترادفة، ليس من اللغة في شئ، ولا هو من الفلسفة النافعة، بل من الفلسفة الضارة، وإن قال الآلوسي بعد نقله عن ابن فورك والسهيلي: (وهما ممن يعض عليه بالنواجذ).

عن الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ” (ال عمران 45) هذه الآية تبيّن حادث ولادة المسيح الذي يبدأ بتقديم الملائكة البشارة لمريم بأمر من الله قائلين لها إنّ الله سوف يهب لكِ ولداً اسمه المسيح عيسى بن مريم، وسيكون له مقام مرموق في الدنيا والآخرة، وهو مقرّب عند الله. ولابدّ من الإشارة هنا إلى بضع مسائل: 1 ـ في هذه الآية وفي آيتين أُخريين يوصف المسيح بأنّه (الكلمة) وهو تعبير موجود في كتب العهد الجديد أيضاً. كلام المفسّرين كثير في بيان سبب إطلاق هذه الكلمة على المسيح. إلاّ أنّ أقربها إلى الذهن هو ولادة المسيح الخارقة للعادة والتي تقع ضمن “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ” (يس 82). أو لأنّ البشارة بولادته قد جاءت في كلمة إلى أُمّه. كما أنّ لفظة (الكلمة) وردت في القرآن بمعنى (المخلوق): “قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا” (الكهف 109). ففي هذه الآية (كلمات ربي) هي مخلوقات الله. ولمّا كان المسيح أحد مخلوقات الله العظيمة فقد سمّي بالكلمة، وهذا يتضمّن أيضاً ردّاً على الذين يقولون بالوهيّة المسيح عليه السلام. 2 ـ “المسيح” بمعنى الماسح أو الممسوح. وإطلاقها على عيسى إما لأنّه كان يمسح بيده على المرضى الميؤوس منهم فيشفيهم بإذن الله، إذ كانت هذه الموهبة قد خصّصت له منذ البداية، ولذلك أطلق الله عليه إسم المسيح قبل ولادته. أو لأنّ الله قد مَسح عنه الدنس والإثم وطهّره. 3 ـ يصرّح القرآن في هذه الآية بأنّ عيسى هو ابن مريم، وهو تصريح يدحض مفتريات المفترين عن الوهيّة المسيح. إذ أنّ من يولد من امرأة وتطرأ عليه جميع التحوّلات التي تطرأ على الجنين البشري والكائن المادّي لا يمكن أن يكون إلهاً، ذلك الإله المنزّه عن كلّ أنواع التغيّرات والتحوّلات.

عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ” ﴿مريم 34﴾ وقوله: “ذلك عيسى ابن مريم” الإشارة فيه إلى مجموع ما قص من أمره وشرح من وصفه أي ذلك الذي ذكرنا كيفية ولادته وما وصفه هو للناس من عبوديته وإيتائه الكتاب وجعله نبيا هو عيسى بن مريم. وقوله: “قول الحق” منصوب بمقدر أي أقول قول الحق، وقوله: “الذي فيه يمترون” أي يشكون أويتنازعون، وصف لعيسى، والمعنى: ذلك عيسى بن مريم الذي يشكون أويتنازعون فيه. وقيل: المراد بقول الحق كلمة الحق وهو عيسى عليه السلام لأن الله سبحانه سماه كلمته في قوله: “وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ” (النساء 171) وقوله: “يبشرك بكلمة منه” (ال عمران 45)، وقوله: “بكلمة من الله” (ال عمران 39)، وعليه فقول الحق منصوب على المدح، ويؤيد المعنى الأول قوله تعالى في هذا المعنى في آخر القصة من سورة آل عمران: “الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ” (ال عمران 60).