زياد طارق العقابي
في لحظةٍ سياسيةٍ دقيقة، تتقاطع فيها أسئلة الدولة وهيبتها مع استحقاقات الدستور، تبرز مواقف وتصريحات رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي الدكتور فائق زيدان بوصفها صوتاً قانونياً رصيناً يعيد ضبط البوصلة الوطنية على أساسٍ دستوريٍّ واضح، بعيداً عن المجاملات السياسية أو الحسابات الآنية.
لقد شكّل شكره الصريح للفصائل بشأن حصر السلاح بيد الدولة تأكيداً حاسماً على مبدأ سيادة القانون، ورسالةً لا لبس فيها بأن الاستقرار لا يُبنى على تعدد مراكز القوة، بل على الدولة فحسب.
فالدولة، كما أرساها الدستور، لا تستقيم مع أي سلاح خارج مؤسساتها، ولا يمكن أن تمضي في إصلاحها السياسي والاقتصادي بظل ازدواجية القرار الأمني؛ ومن هنا، جاءت دعوة القاضي زيدان منسجمة مع روح الدستور ومع التجارب المماثلة التي أثبتت أن الأمن الموحد هو الشرط الأول للديمقراطية الفاعلة والسيادة المستدامة.
وفي السياق نفسه، بدت ملاحظته الدقيقة والمتكررة بشأن عدم جواز تأجيل انتخاب هيئة رئاسة مجلس النواب لغير الجلسة الأولى -المقررة بحسب تحديد رئيس الجمهورية في 29 كانون الأول الحالي- تعبيراً عن قراءة دستورية مسؤولة، تقطع الطريق على محاولات الالتفاف أو التسويف. فالجلسة الأولى ليست إجراءً شكلياً؛ بل هي لحظة تأسيسية يُبنى عليها انتظام العمل البرلماني، وتأجيل هذا الاستحقاق يفتح الباب أمام فراغٍ مؤسسيٍّ واضطرابٍ سياسيٍّ لا يحتمله البلد.
إن أهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في مضمونه، بل في الجهة التي صدر عنها؛ إذ يصدر من رأس السلطة القضائية، بما تمثله من ضامنٍ للدستور وحَكَمٍ بين السلطات؛ وهو ما يمنح التصريحات وزنها المعنوي والقانوني، ويجعلها مرجعيةً أخلاقيةً قبل أن تكون رأياً سياسياً ولاسيما بعد نأي مجلس القضاء الأعلى في جلسات سابقة عن أي تدخلات سياسية.
يمكن القول إن القاضي فائق زيدان في مواقفه، لم ينحز إلى طرفٍ، بل انحاز إلى الدولة، وإلى منطق الدستور، وإلى فكرة النظام، وإلى ضرورة أن تمضي العملية السياسية ضمن أطرها السليمة دون سلاحٍ خارجها، أو إجراءاتٍ مؤجلة؛ وهي إشارات مطلوبة اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، لتثبيت الاستقرار، وحماية المسار الديمقراطي، وإعادة الثقة بالمؤسسات.
وهذه المواقف تستحق الإشادة؛ لأنها تضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وتذكّر بأن بناء الدولة لا يتم بالشعارات، بل بالالتزام الصارم بالقانون، وباحترام الاستحقاقات الدستورية في وقتها دون تردد.
د. زياد طارق العقابي – صحفي