حين يكون المنصب شهادة نزاهة: السيد ياسر الموسوي أنموذجًا وطنيًا يُحتذى

رياض سعد

كنتُ أترفّع عن مدح الآخرين، وما أزال أتجنب الانغماس في الاطراء على الساسة والمسؤولين العراقيين، لأسبابٍ عديدة؛ منها ما هو تاريخي وديني، إذ ورد في الأثر الإسلامي: « إذَا رَأَيْتُمُ المَدَّاحِينَ، فَاحْثُوا في وُجُوهِهِمِ التُّرَابَ… »، ومنها ما هو اجتماعي وشخصي ، حيث اختلط الحابل بالنابل، فضلا عن انتشار ثقافة التخوين والاتهام بالفساد المالي والاداري والاخلاقي … ؛ ولم يعد كثيرون يفرّقون بين المدح الصادق الموضوعي والتملّق الرخيص، وبين الثناء المستحق والتزلف المقيت... .

إلا أنني، وبعد التأمل ، والإنصاف الذي يفرضه الضمير والوجدان  , والمراجعة الدقيقة ؛ قادتني إلى قناعة راسخة مفادها أن بعض الناس يستحقون المدح والثناء حقًا… ؛ كما ان البعض يستحق الشجب والنقد بل واللعن … ؛ ورأيتُ أن ثمة أناساً يستحقون الثناء بجدارة، أولاً لذواتهم النبيلة , وثانيا لأعمالهم وانجازاتهم المهنية , وكفاءتهم ونزاهتهم الوظيفية , وغيرتهم الوطنية , وسجاياهم الانسانية … ؛  كما لاحظتُ أن الكتب السماوية، ومنها القرآن الكريم، لم تتحرج من مدح عددٍ من الشخصيات الصالحة والمواقف الاخلاقية … ؛ لأن المدح حين يكون صادقًا، ومرتبطًا بما يتحلّى به الإنسان من قيم وأفعال وفضائل ، لا بما يُدّعى له، يكون عامل تحفيز له ولغيره للسير في طريق الحق والنزاهة والشرف , و ترسيخ للقيم والمبادئ الإنسانية والأخلاقية والوطنية… .

فكما أن القدح بالناس وذمّهم بغير حق يترك آثارًا نفسية سلبية وتداعيات خطيرة على الفرد والمجتمع و السلم المجتمعي، فإن الإشادة الصادقة بأهل الخير تصنع قدواتٍ مجتمعية صالحة نقيّة، يحتذي الآخرون بحذوها، ويسيرون على نهجها القويم في الحياة… ؛ وتترك أثراً إيجابياً .

كما عرفتُ أن الترفع عن مدح الأخيار، والتعالي عن الإشادة بالشخصيات الوطنية النزيهة والناجحة والغيورة … ؛ سواء أكانوا من عامة الناس أم من المسؤولين والساسة، لا يُعد قيمة أخلاقية، بل قد يكون ضربًا من الكِبر والنرجسية والانانية , فنحن مأمورون أخلاقيًا ودينيًا ووجدانيًا ووطنيًا بألا نبخس الناس أشياءهم، أو الاستهانة بمقاماتهم المستحقة وانجازاتهم الواقعية .

ومن بين تلك الشخصيات الوطنية الأصيلة، يبرز اسم السيد ياسر سهم الموسوي مثالًا حيًا للنزاهة والشرف… ؛ فقد عرفته منذ زمنٍ بعيد، وعلى الرغم من تعاقب الأحداث واختلاف الليالي والأيام، بقي كما هو: دمث الأخلاق، أبيض اليد واللسان والسريرة، كريم النفس، دائم الابتسامة، متواضعًا خلوقًا، مثلاً أعلى للنزاهة والأمانة والشرف  , لا يعرف المكر اليه سبيلا , ولا الغدر طريقًا إلى سلوكه، ولم تقترن حياته يومًا بالخسة أو الطمع المادي والجشع … .

في زمنٍ  عصيب , كانت فيه أبواب البيوت تُغلق  في وجوه الشباب العراقيين الملتزمين دينيا من ابناء الاغلبية الاصيلة ؛ خوفاً من بطش النظام الصدامي الأجرامي وأجهزته القمعية … ؛ بحجة معارضتهم للنظام البعثي المجرم … ؛ كان بيت عائلة السيد ياسر الموسوي مفتوحًا لنا على الدوام… ؛  كنا نصلّي فيه فرادى و جماعة احيانا ، ونستمع إلى المحاضرات الدينية والسياسية، ونقيم المجالس الحسينية، وننتقد علنًا جرائم ومجازر السلطة البعثية والطغمة الصدامية الطائفية، من دون خوف أو وجل… ؛ وعلى الرغم من قسوة الظروف وأيام الحصار، كنا نتناول الطعام في بيت هذه العائلة الكريمة بصورة شبه يومية… ؛ فكانت العائلة بكاملها ملتزمة دينياً ووطنياً، ولم تكتفِ بذلك حتى بعثت بابنها البار الشاب آنذاك، السيد منير الموسوي (شقيق السيد ياسر) إلى الحوزة العلمية في النجف الأشرف، في تحدٍ سافر للسلطة المستبدة.

وبعد سقوط النظام الصدامي الإجرامي، تسنّم السيد ياسر الموسوي منصب رئيس لجنة الحسابات في مديرية تربية مدينة الصدر، ثم مديرًا لمديرية محو الأمية، فكان مثالًا للشرف والنزاهة… ؛ حاول البعض إغراءه، وسعى آخرون إلى تهديده، لكنهم جميعًا باؤوا بالفشل وخاب مسعاهم وعادوا بخُفّي حنين؛ لأنه رجل لا يساوم على الحق ولا ينحي لضغط ، ولا يبيع ضميره تحت أي ظرف.

وخلال الأشهر الماضية، بلغني خبر تسلّمه منصب مدير مديرية تربية مدينة الصدر الثالثة… ؛  فاتصلت به، ثم ذهبت لتهنئته، فوجدته كما عهدته منذ أكثر من ثلاثة عقود: السيد الفاضل الشريف النزيه، لم تغيّره المناصب، ولم تتبدل شمائله … ؛ بل إن المنصب هو من تشرف به، لا العكس، ولا سيما أن بعض من شغلوه سابقًا أساؤوا إليه، وإلى أنفسهم وعوائلهم وطوائفهم، فضلًا عن وطنهم ومواطنيهم.

وكما هي عادة سماسرة الوزارات والدوائر الذين يجوبون مؤسسات الدولة طولًا وعرضًا، قصدوا السيد ياسر حاملين ملفات المعاملات باسم أحزاب وتيارات مختلفة, كما اعتادوا مع غيره من المدراء ، بحجة تسهيل شؤون الموظفين والمواطنين، بينما الهدف الحقيقي في كثير من الأحيان هو الرشوة والكسب غير المشروع… ؛  غير أن السيد ياسر، بخبرته المحاسبية ومعرفته الدقيقة بأساليب وحيل هؤلاء، كان يبادرهم بالسؤال الواضح: لماذا لا يأتي صاحب العلاقة بنفسه؟ وأنا لا أغلق بابي في وجه أي مواطن، ولا أرد طلبًا مشروعًا موافقًا للقانون والضوابط.

يضاف إلى ذلك احترامه الكبير لكبار السن والمرضى وسائر المراجعين، وسعيه الجاد لتسهيل معاملاتهم من دون تأخير أو ابتزاز أو إهانة، كما يحدث في كثير من الدوائر الحكومية.

وحين سمعتُ خبر تسنّمه المنصب، لم أُخفِ دهشتي؛ إذ يُشاع أن المناصب العليا تُباع بيعًا… ؛  لكنني على يقينٍ تام أن السيد ياسر من المستحيل أن يدفع دينارًا واحدًا مقابل أي منصب، وأن ما وصل إليه كان ثمرة كفاءته ونزاهته وسمعته الطيبة التي يعرفها القاصي والداني… ؛  عندها أيقنتُ أن الدنيا ما تزال بخير، وأن العراق قادر على التعافي , والتخلص من الفاسدين والفاشلين , والنهوض من تحت ركام الفساد… ؛ اذ رأيتُ أمامي مصداقاً وطنياً جلياً للمقولة الخالدة: “الرجل المناسب في المكان المناسب”.

صحيح أن السيد ياسر يشغل المنصب حاليًا بالوكالة، لكن تثبيته فيه سيكون بشارة خير، ورسالة أمل بأن المناصب العليا بدأت تُمنح على أساس الكفاءة والنزاهة، لا على أساس المحاصصة الحزبية أو المزادات المشبوهة.

ومن هنا، نهيب بالساسة والقادة والمسؤولين في الدولة العراقية ، وبهيئات النزاهة والرقابة، أن يضعوا حدًا لظاهرة بيع المناصب وتفشي الرشوة في الوزارات والدوائر الحكومية، وأن تُناط المسؤوليات بالشخصيات الوطنية التي تتحلى بالشرف والكفاءة والنزاهة، أمثال السيد ياسر الموسوي، أولئك الذين تتقدم عندهم القيم على المنفعة، والوطن على المصالح الضيقة. فهؤلاء هم حجر الأساس في بناء دولة القانون والمؤسسات، وهم الأمل الحقيقي في غدٍ أفضل للعراق وأبنائه … ؛ لأن بناء الوطن لا يكون إلا بسواعد الشرفاء.