حين تتكلم الذاكرة بلسان الغياب

رياض سعد

في تلك الأيام التي انسَلَّ فيها الزمنُ من بين أصابعه كحبات الرمل الناعم المُلوَّنة بلون الأدوية الكيميائية، لم يَعُدْ “حميد” يُميّز بين شروق الذاكرة وغروب الجسد… ؛  كان المرض العضال قد حفر خنادق عميقة في جسده، فأصبحت ذاكرته مرآةً مُتعَبَّة، تكسر الصور ولا تعيدها إلا مُشوَّشة، وكأنما الحياة تتراجع منه كمدّ البحر الخبيث، تاركةً على شاطئ وعيه قشورَ أيامٍ وأصدافَ وجوهٍ بلا أسماء…

لم يكن المرضُ مجرّد عِلّةٍ تسكن الجسد، بل كان شتاءً طويلاً نزل على ذاكرة حميد، فأطفأ مصابيحها واحدًا تلو الآخر… ؛  الأدويةُ الكيماوية التي تناولها بإفراطٍ بدت كأنها أمواجٌ باردة تضرب شاطئ روحه؛ تُنهك الجسد، وتُربك الخيال، وتترك خلفها فراغًا رماديًّا تتعثر فيه الذكريات… ؛  صار الزمن عنده متكسّرًا، لا يمشي بخط مستقيم، بل يتلوّى كأفعى مُتعبة تبحث عن ظل …

وفي صباحٍ مُثقلٍ بالوهن، عقد العزم على السفر إلى بيروت، علّ المستشفى الأمريكي هناك يمدّ له جسورًا من أملٍ مؤجَّل… ؛  دخل إحدى شركات السياحة والسفر ليحجز مقعدًا على طائرة الخطوط الجوية العراقية المتجهة إلى لبنان… ؛  كان المكانُ ضيّقًا، لكن الوجوه فيه واسعةُ الاحتمالات، وكأن كل عينٍ تحمل قصةً تنتظر أن تُروى.

وما إن رفع حميد رأسه حتى اصطدمت نظراته بوجهٍ يعرفه القلب قبل العقل : السيد كريم الشرع، الأخ الأكبر لصديقه القديم، صديق الروح والعقل والطفولة، السيد سعيد… ؛  تعانقا طويلاً، عناقَ من يخشى أن يكون الزمن قد سرق من ذاكرته شيئًا آخر… ؛  تبادلا التحايا، وارتجفت الكلمات بينهما كأوراقٍ يابسة في مهبّ الريح.

سأل حميد بصوتٍ حاول أن يجعله ثابتًا: — كيف حال سيد سعيد؟

ساد صمتٌ ثقيل، كأن المكان انحنى احترامًا لخبرٍ قادم… ؛ اغرورقت عينا كريم بالدموع، وقال بصوتٍ مكسور: — صديقك سأل عنك قبل وفاته بأيام… ؛  لقد مات سعيد يا حميد، قبل خمس سنوات.

سقطت الجملة كحجرٍ في بئرٍ عميق، فارتد صداها في صدر حميد بلا نهاية… ؛  أجهش بالبكاء، وانفتح شريط الذكريات دفعةً واحدة: سعيد يضحك، يمازحه، يناديه باسمه كما لو كان الاسم وعدًا بالحياة… ؛  رآه واقفًا عند تخوم الذاكرة، بوجهه الوضيء وابتسامته التي كانت تهزم التعب.

صرخ حميد، وكأن صوته يريد أن يخترق الحجاب بين العالمين: — لماذا متَّ يا سعيد؟

وهنا، حدث ما لا يخضع لمنطقٍ أو تفسير… ؛  بدا له أن سعيدًا اقترب، لا جسدًا بل معنى، لا صوتًا بل صدى… ؛  سمعه يقول بهدوءٍ شفاف: — لقد أتعبني الناس يا حميد… ؛  حمّلوني ما لا طاقة لي بحمله، وأرهقوني حتى انطفأت شمعة العمر… ؛  حين جاءت المنية، وجدتُ الراحة أخيرًا… أنا الآن سعيد، حقًا سعيد…!!

توقّف الصوت قليلًا، ثم أردف بحنوٍّ موجِع: — لكني أشفِق عليك، لأنك ما زلتَ في هذا العالم الموحش، تُصارع المرض والذكريات، وتحمل أثقالًا لم تُخلَق لها الأكتاف.

عاد حميد إلى مكانه، والدموع لم تجفّ، لكن شيئًا ما تغيّر… ؛  شعر أن الموت ليس نهايةً دائمًا، بل انتقالٌ إلى ضفةٍ أقل ضجيجًا، وأن الحياة — رغم عنادها — قد تكون هي الامتحان الأصعب… .

غادر المكتب، وحقيبته فارغة من التذاكر، وقلبه مليء بصوت الصديق الغائب… ؛  بيروت لم تعد وجهة… ؛ اذ صار يمشي وفي داخله بيروت أخرى: مدينة من الذكريات، ومستشفى من الأسئلة، وطائرةٌ لا تقلع إلا في سماء الروح… ؛  فكلّ الشفاء في العالم لا يعيد فراشة الذاكرة المقطوعة الجناحين إلى الطيران… ؛  كان عليه أن يعود إلى بيته، إلى صمت غرفته، حيث تنتظره وصفات الأدوية، وحيث يمكنه أخيراً أن يبدأ حواره الطويل مع شبح صديق، ربما كان أكثر حياةً منه الآن… ؛  العالم الخارجي مُوْحِشٌ حقاً، لكن أكثر الوحشة كانت في اكتشاف أن بعض الوداعات تحدث بعد فوات الأوان بخمس سنوات، وأن بعض الموتى يكونون أحياءً في ذاكرتنا، أكثر منّا نحن أنفسنا…