بقلم: الكاتب؛ حسين شكران العقيلي
في الثالث عشر من شهر رجب، أشرقت الكعبة المشرفة بنورٍ لم تعرفه البشرية من قبل، حين وُلد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في بيت الله الحرام. لم يكن هذا الحدث مجرد ولادة عادية، بل كان إعلاناً رمزياً بأن الحق سيخرج من أقدس مكان، ليحمل رسالة العدل والإنسانية، ويكون شاهداً على أن القيادة الإلهية لا تنفصل عن قدسية المكان ولا عن طهارة الزمان. إن ميلاد الإمام علي عليه السلام داخل الكعبة يظل معجزة تاريخية وروحية، يختصر في رمزيته معنى الولاية التي ارتبطت بالحق منذ اللحظة الأولى.
لقد جاء الإمام علي عليه السلام ليكون صوت العدالة في زمنٍ كثرت فيه الأصوات المتناقضة، وليجسد قيم الشجاعة والإيثار والوفاء. فحياته كانت امتداداً لذلك الميلاد المبارك، حيث لم ينفصل يوماً عن الحق، ولم يتردد في نصرة المظلوم، ولم يساوم على المبادئ مهما كانت التحديات. إن ولادته في الكعبة ليست مجرد حادثة تاريخية، بل هي رسالة متجددة بأن الحق يولد في قلب الطهر، وأن القيادة الحقيقية تنبع من الإيمان الصادق والالتزام بالقيم العليا.
إننا حين نتأمل هذه المناسبة العظيمة، ندرك أن الإمام علي عليه السلام لم يكن شخصية عابرة في التاريخ، بل كان محوراً للإنسانية في بحثها عن العدالة والكرامة. فقد جمع بين العلم والعمل، وبين العبادة والجهاد، وبين الرحمة والحزم، ليكون نموذجاً متكاملاً للإنسان الذي أراد الله أن يكون خليفة في الأرض. ومن هنا، فإن ولادته في الكعبة تبقى رمزاً خالداً يذكّرنا بأن الحق لا يولد إلا في أجواء الطهر، وأن القيادة لا تستحق أن تُمنح إلا لمن جمع بين الإيمان والعدل.
إن ذكرى ولادة أمير المؤمنين علي عليه السلام هي دعوة للتأمل في معاني الحق والولاية، ولإعادة قراءة التاريخ بروحٍ تستلهم من تلك اللحظة المباركة قيم التضحية والوفاء. فهي ليست مجرد ذكرى نحتفل بها، بل هي مدرسة مفتوحة لكل الأجيال، تعلمنا أن القيادة الحقيقية تبدأ من الطهر وتنتهي بالعدل، وأن من يولد في بيت الله لا يمكن أن يكون إلا نصيراً للحق وحاملاً لراية الإنسانية.