الفضـيحة العلنية ونفي الغيبة « قراءة في حديث الإمام الصادق (عليه السلام)»

الفضـيحة العلنية ونفي الغيبة « قراءة في حديث الإمام الصادق (عليه السلام)»
بقلم: الكاتب حسين شكران العقيلي

يضعنا التراث الإسلامي أمام نصوصٍ عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتفتح آفاقاً واسعة للتأمل في علاقة الفرد بالمجتمع والستر بالفضيحة، والحرمة بالانكشاف. ومن بين هذه النصوص قول الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا جاهر الفاسق بفسقه فلا حرمة له ولا غيبة»، وهو حديث يثير أسئلة فقهية واجتماعية حول سقوط الحماية الأخلاقية عن من يعلن معصيته، ويجعل من المجاهرة بالفسق فعلاً يتجاوز حدود الفرد ليصبح قضية عامة تمس الجماعة وقيمها.
إن هذا الحديث الشريف لا يقتصر على بيان حكم فقهي في باب الغيبة، بل يكشف عن رؤية اجتماعية عميقة فالمجاهرة بالمعصية ليست مجرد خطأ شخصي، بل هي إعلان تحدٍّ للقيم، وكسرٌ لحاجز الحياء، وإسقاطٌ لحقٍ كان محفوظاً بالستر. فالستر في الشريعة ليس مجرد غطاء، بل هو حماية للإنسان من الانكشاف، فإذا هو بنفسه رفع الغطاء وأعلن فسقه، فقد أسقط عن نفسه تلك الحماية، ولم يعد له أن يحتج بحرمة الغيبة أو كرامة الستر.
ولكي نفهم عمق هذا النص، لا بد من الوقوف عند مفهوم الفاسق لغةً واصطلاحاً:
– لغةً: الفسق مأخوذ من مادة (فسق)، وهي الخروج، يقال: (فسقت الرطبة) إذا خرجت من قشرها، ومنه سُمي الفاسق فاسقاً لأنه خرج عن الطاعة والالتزام.
– اصطلاحاً: الفسق هو الخروج عن أمر الله تعالى بارتكاب المعاصي، سواء كانت كبائر أو إصراراً على الصغائر، وهو وصف يطلق على من جعل العصيان سمةً له، حتى صار فعله دالاً على انحرافه عن جادة الحق.
بهذا المعنى، يصبح الفاسق في الاصطلاح الشرعي شخصاً قد تجاوز حدود الطاعة، وخرج عن دائرة الالتزام، فإذا أضاف إلى ذلك المجاهرة، فقد جمع بين معصية الفعل ومعصية الإعلان، وأسقط عن نفسه ستر الله الذي كان يحفظه من الفضيحة.
لقد واجه أهل البيت (عليهم السلام) في حياتهم نماذج متعددة من المجاهرة بالفسق، وكان موقفهم دائماً يقوم على التفريق بين من يستتر بذنبه فيُعامل بالرحمة والدعوة، وبين من يجاهر فيُواجه بالرفض والتحذير. ففي زمن الإمام علي (عليه السلام) كان بعض الولاة يجاهرون بالظلم وشرب الخمر، فكان الإمام يعلن موقفه الرافض ويعزلهم بصورة مباشرة ، مؤكداً أن المجاهرة بالفسق تسقط عن صاحبها أهلية القيادة والحرمة الاجتماعية.
أما الإمام الحسين (عليه السلام) فقد واجه يزيد بن معاوية الذي لم يكتفِ بالفسق، بل جاهر به علناً حتى صار سمةً لسلطانه، فكان موقف الحسين عليه السلام ثورياً، معلناً أن المجاهرة بالفسق السياسي والاجتماعي تهدد الأمة، وأن السكوت عنها خيانة للقيم. وفي عصر الإمام الصادق (عليه السلام) ظهرت تيارات اجتماعية تتساهل مع المجاهرة بالمعصية، فكان يوضح أن من أعلن فسقه لا حرمة له، وأن المجتمع لا يُلزم نفسه بحماية من أسقط بنفسه ستر الكرامة.
هذه الأمثلة التاريخية تكشف أن أهل البيت (عليهم السلام) لم ينظروا إلى المجاهرة بالفسق كمسألة فردية فقط، بل كظاهرة اجتماعية تهدد البنية الأخلاقية للأمة، وأن التعامل معها كان يتراوح بين العزل السياسي، والرفض الاجتماعي، والتحذير الفقهي، بحسب طبيعة الموقف وظروفه.
إن المجاهرة بالفسق في عصرنا قد تأخذ صوراً جديدة، من خلال الإعلام أو الفضاء الرقمي، لكنها في جوهرها تظل إعلاناً للتحدي، ومحاولة لتطبيع المعصية. وهنا يبقى حديث الإمام الصادق (عليه السلام) مرشداً لنا: أن من جاهر بفسقه فقد أسقط عن نفسه الحرمة، وأن المجتمع له الحق في أن يحمي قيمه من آثار هذا الانكشاف.
وبذلك، فإن حديث الإمام الصادق (عليه السلام) يظل نصاً مفتوحاً على التأمل، يذكّرنا بأن الحرمة ليست حقاً مطلقاً، بل هي مرتبطة بالستر، وأن المجاهرة بالفسق إسقاطٌ للستر، وأن المجتمع لا يُلزم نفسه بحماية من أسقط بنفسه حجاب الكرامة.