هل حقاً الشهيد سعيد ؟

هل حقاً الشهيد سعيد ؟
كامل سلمان
منذ أن فتحنا أعيننا على هذه الدنيا نقرأ ونسمع عن الشهيد السعيد ، ذلك الذي يذهب إلى الموت طوعاً أو كرهاً لينال الشهادة ثم السعادة فيكتبون النعي لأسم الشهيد السعيد باللون الأحمر على قطعة قماش سوداء تعبيراً عن الحزن ويرددون الهتافات وإطلاق الأعيرة النارية في تشييعه ولم نسمع عن حياته التي عاشها هذا الشهيد السعيد سوى البؤس واليأس والحرمان ، يعيش البؤس في حياته وعندما يموت يصير سعيداً ، فلو كان سعيداً في حياته لما بحث عن السعادة بعد الموت والإنسان الحي أولى بالسعادة ، لا نقول بأنه لا يوجد حي سعيد ، فهذا الإنسان الحي السعيد موجود فهو لا يبحث عن السعادة بعد الموت فقط المحروم من السعادة يبحث عن السعادة من خلال الموت ، لا أدري أية سعادة سيكسبها الميت وهو يترك أولاده يتامى يعانون الحرمان والعوز ويترك زوجة تعاني مرارة الوحشة ويترك أم مفجوعة القلب وأب مكسور الخاطر . لماذا لا يكون ذلك الشهيد سعيداً في حياته يتمتع بها ويعيشها براحة وأمان يرى أهله وعياله من حوله فرحين بوجوده وبأحواله بدل أن يموت ليكون سعيداً ؟ لماذا لا يسمون الموت مصيبة ، فها هو القرآن يسمي الموت مصيبة ( فأصابتكم مصيبة الموت ) سورة المائدة . عندما تقع المصيبة على هذا المسكين يوهمون ذويه بأنه سعيد فهل يستطيعون أن يجعلوا أهله سعداء بمصيبتهم ؟ الجواب كلا ، ، فأية سعادة هذه التي تفجع القلوب ؟ كان من الصواب أن يرسلوا معه عياله للموت لتكتمل سعادته إذا كان هو سعيداً كما يزعمون . ليعلم الجميع بأن السعادة الحقيقية هي أن تعيش الحياة بعز وكرامة وأن تبني لنفسك كيان محترم وأن يقوم الناس بأعمار الأرض وبناء الأوطان وحفظ كرامة الإنسان لا بزيادة الموتى ولا بتحطيم النسيج الاجتماعي للعوائل بفقد الآباء والأبناء والأخوان والأحبة . جميع شهداءنا كانوا ضحية سوء عمل الحكومات والتنظيمات السياسية الثورية . الإنسان هدفه في الحياة هو الوصول إلى السعادة له ولذويه فعندما يحقق هذا الإنسان نجاحات في حياته ويرى الفرحة في عيون أطفاله وعياله يشعر بنشوة السعادة التي سعى من أجلها ، هذه سنة الحياة وما دونها مجرد أوهام وخداع لتضليل العقول . في الدول المتحضرة حكوماتها تسعى بكل ما أوتيت من قوة لجعل المواطن يعيش سعيداً بينما في دولنا حكوماتنا تسعى بكل ما أوتيت من قوة لجعل المواطن يصبح ميتاً سعيداً ، هذا الفارق هو فارق عقلي وأخلاقي وفكري ، فمن يعتقد بأن مفارقة الحياة هي السعادة فهذا لا يستحق الحياة فهو قد تخلى عنها مخدوعاً . . وأخيراً لطالما خطر ببالي هذا السؤال ؛ لو أن هذا الشهيد السعيد يعلم بأن زوجته بعد استشهاده ستقع بأحضان غيره بسبب العوز والجوع أو تكون متسولة لأجل لقمة العيش وأن أطفاله سيكونون يتامى يبيتون بلا مأوى وأن والديه سيصابون بالجلطات والعمى من شدة الحزن هل سيرضى لنفسه أن يكون شهيداً ؟ أكيد لا يرضى ، لكنهم أقنعوه بأن الله سيتولى أمر أهله من بعده فأقتنع لجهله لأن الله لا يتولى أمر من يلقي بنفسه إلى التهلكه وقد رأينا بأم أعيننا حال زوجات الشهداء واولادهم في جميع الحروب ولم نرى بأن الله تولى أمرهم فالله سبحانه لا يدفع فاتورة العقول المتحجرة التي تستمتع بتكرار خطأ الآباء والأجداد ، وللأسف دائماً وفي كل الأزمنة الجهلاء لا يتعظون وإنما يُهلكون أنفسهم قبل الاتعاظ ، أما الشهيد السعيد حقاً هو ذلك الإنسان الذي على يقين بأن موته سيكون سبباً لبعث السعادة والحياة وحفظ الكرامة لعياله ومجتمعه .