حُلم نيل الحرية
كامل سلمان
كنا نحلم بالحرية ، حرية الرأي وحرية الفكر وحرية المعتقد والحرية الشخصية لأننا مجتمعات عاشت فترات عصيبة تحت ظلم وقهر الأنظمة التي تكمم الأفواه وتمنع الحريات فكان حلمنا كبيراً ، وما أن جاء العام 2003 م حتى شاءت الأقدار أن يتحقق هذا الحلم المستحيل الذي أستمر لعقود طويلة وربما قرون من الزمان وفعلاً سقطت الديكتاتورية وجاءت الحرية لكن للأسف الشديد قبل أن نتنفس هذه الحرية ونتذوق طعمها فوجئنا بأن الحرية التي كنا ننتظرها بفارغ الصبر تحولت إلى كابوس مرعب ، تحولت إلى سلوك مشين ورأي قبيح لكثير من الناس ، تحولت إلى الطعن بالأعراض والشرف والى السباب والشتائم ، تحولت إلى إهانة لكرامة الإنسان ، فأصابنا الغم والندم الشديد على سوء تقديرنا لمفهوم الحرية ، فأصبحت الرذيلة تصول وتجول دون رادع لأنها هي من تحررت ، هذا التحول في مفهوم الحريات أعطانا دليلاً بأن القرون التي مضت وكان الناس فيها يعيشون تكميم الأفواه هي بالحقيقة كانت تكميم للعقول وليست للأفواه فعندما تم رفع الكمامات عن الأفواه أنطلقت الألسن والسلوكيات المنحرفة حرة تاركة وراءها العقول مكبلة ولم تتحرر بعد ، فهؤلاء الناس الذين مازالت عقولهم مكبلة أفصحوا عن شراستهم وفسادهم وعفونتهم فأنطلقت أياديهم وألسنتهم حرة والأقفال مازالت مقفلة على عقولهم . بالنسبة لعامة الناس كانت عملية التغير والسقوط الاخلاقي بعد سقوط النظام السابق صدمة كبيرة هزت المجتمع لم تكن بالحسبان ولم يكن أي إنسان عاقل يتوقع ذلك لكن بالنسبة لأصحاب الشأن كما يبدو كانت العملية مدروسة بدقة ومحسوبة النتائج ، لكن الغريب في الأمر أن التحول السيء لم يكن على مستوى الفرد فقط بل كان جماعياً أي أن التحول نحو السوء جماعات وليست فرادا . من يعتقد بأن هذه النتائج جاءت عفوية فهو واهم . خلال تجاربنا شاهدنا بعض الناس توحشت وتمردت على القيم تشتم وتسب وتسيء الاخلاق وتعتدي وكأنها فهمت الحرية غياب القانون وشاهدنا أيضاً بعض الناس لا تفكر بالأحداث بل تفكر بما بعد الأحداث . أما الشيء الذي لم نكن نعرفه أن هناك جهات تدرس وتستنتج وتوثق لما بعد الأحداث لعشرات السنين بينما كنا نظنها فقاعات الماضي التي ستزول مع الأيام . فمن السذاجة أن تعتقد بأن سقوط الاخلاق وقباحة الألسن هي مجرد صدفة أو من مخلفات الظلم وخنق الحريات التي عاشتها مجتمعاتنا . الشيء الذي حير العقول هو ظهور الحقد والكراهية المخفية في صدور الناس ضد بعضهم البعض الأخر وكأنهم لم يكونوا بشراً بل كانوا يتغطون بالقناع البشري ، كيف تراكمت هذه الأحقاد وكيف كانت مدفونة في صدور الناس ؟ هذا الشيء الذي سيعجز عنه العقلاء في إيجاد تفسير منطقي له . طبعاً السباب والشتائم أضحت ظاهرة سلوكية شائعة يجيدها بعض الناس بشكل احترافي وهي صارت تصنف على أنواع وطبقات منها الشتائم الدينية والقومية والمذهبية وحسب الولاءات وتشمل الرموز والكتب المقدسة والشرف والأعراض والانتماءات ، الشتم والكلمات البذيئة صارت من الفنون التي لها خبرائها ومختصيها وربما مدرسة يتعلم فيها روادها فن الشتم والقذف والطعن خاصة بعد تطور تكنلوجيا الذكاء الاصطناعي الذي ساعد كثيراً أحباب هذا الفن بتطوير مهاراتهم . وأخيراً بغض النظر عن الحريات والانتماءات فأن هنالك حقيقة لا تقبل الشك وهي أن الإنسان الذي تربى في بيوت نظيف صالحة وتشبع بأفكار صحيحة لا يمكن أن يتقبل لسانه ألفاظ غير صحيحة بمعنى كل الذين يتفننون بالشتائم والسباب ، كلهم بلا إستثناء خرجوا من بيوت خربة أخلاقياً وتربوياً ولم تكن الولاءات والانتماءات التي احتضنتهم إلا متنفساً لحسرة في الصدور ، وللأسف الف أسف حتى الذين تعطشوا للحرية عن صدق كرهوها ولم تعد تروي الحرية التي تذوقوها ظمأهم لأنها ولدت معيوبة .
حُلم نيل الحرية