العلامة الطباطبائي في الميزان عن خلق السماوات والأرض والليل والنهار وسفن البحر

د. فاضل حسن شريف

جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” ﴿البقرة 164﴾ قوله تعالى: “إن في خلق السموات والأرض” ﴿البقرة 164﴾ إلى آخر الآية، السياق كما مر في أول البيان يدل على أن الآية مسوقة للدلالة والبرهنة على ما تضمنته الآية السابقة أعني قوله تعالى: “وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم” (البقرة 163) الآية، فإن الآية تنحل بحسب المعنى إلى أن لكل شيء من هذه الأشياء إلها، وأن إله الجميع واحد وأن هذا الإله الواحد هو إلهكم، وأنه رحمن مفيض للرحمة العامة، وأنه رحيم يسوق إلى سعادة الغاية وهي سعادة الآخرة فهذه – حقائق حقة و، في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار إلى آخر ما ذكر في الآية آيات دالة عليها عند قوم يعقلون. ولوكان المراد إقامة الحجة على وجود إله الإنسان أو أن إله الإنسان واحد لما كان الجميع إلا آية واحدة دالة على ذلك من طريق اتصال التدبير، ولكان حق الكلام في الآية السابقة أن يقال: وإلهكم واحد لا إله إلا هو، فالآية مسوق للدلالة على الحجة على وجود الإله وعلى وحدته بمعنى أن إله غير الإنسان من النظام الكبير واحد وأن ذلك بعينه إله الإنسان.

وإجمال الدلالة أن هذه السماوات التي قد علتنا وأظلتنا على ما فيها من بدائع الخلقة، والأرض التي قد أقلتنا وحملتنا مع عجيب أمرها وسائر ما فيها من غرائب التحولات والتقلبات كاختلاف الليل والنهار، والفلك الجارية، والأمطار النازلة، والرياح المصرفة، والسحب المسخرة أمور مفتقرة في نفسها إلى صانع موجد، فلكل منها إله موجد وهذا هو الحجة الأولى. ثم إن هذه الأجرام الجوية المختلفة بالصغر والكبر والبعد والقرب وقد وجد الواحد في الصغر على ما بلغه الفحص العلمي ما يعادل: 0033 000 000 000 000 000 000 000 / 0 من سانتيمتر مكعب والواحد في الكبر ما يعادل الملايين من حجم الأرض وهو كرة يعادل قطرها 9000 ميلا تقريبا، واكتشف من المسافة بين جرمين علويين ما يقرب من ثلاثة ملايين سنة نورية، والسنة النورية من المسافة تعدل: 365 * 24 * 60 * 60 * 300000 كيلومتر تقريبا، فانظر إلى هذه الأرقام التي تدهش اللب وتبهت الفكر واقض ما أنت قاض في غرابة الأمر وبداعته تفعل البعض منها في البعض، وتنفعل البعض منها عن البعض أينما كانت وكيفما كانت بالجاذبة العامة، وإفاضة النور والحرارة وتحيا بذلك سنة الحركة العامة والزمان العمومي، وهذا نظام عام دائم تحت قانون ثابت، حتى أن النسبية العمومية القاضية بالتغير في قوانين الحركة في العالم الجسماني لا تتجافى عن الاعتراف بأن التغيير العمومي أيضا محكوم قانون آخر ثابت في التغير والتحول، ثم إن هذه الحركة والتحول العمومي تتصور في كل جزء من أجزاء العالم بصورة خاصة كما بين الشمس التي لعالمنا مع منظومتها ثم تزيد ضيقا في الدائرة كما في أرضنا مع ما يختص بها من الحوادث والأجرام، كالقمر والليل والنهار، والرياح والسحب والأمطار، ثم تتضيق الدائرة، كما في المكونات الأرضية: من المعادن والنبات والحيوان وسائر التراكيب، ثم في كل نوع من أنواعها، ثم تتضيق الدائرة حتى تصل النوبة إلى العناصر، ثم إلى الذرات، ثم إلى أجزاء الذرات حتى تصل إلى آخر ما انتهى الفحص العلمي الميسور للإنسان إلى هذا اليوم، وهي الإلكترون، والبروتون، ويوجد هناك نظير المنظومات الشمسية جرم مركزي وأشياء يدور حولها دوران الكواكب على مداراتها التي حول شمسها وسبحها في أفلاكها. ففي أي موقف من هذه المواقف وقف الإنسان شاهد نظاما عجيبا ذا تحولات وتغيرات، يحفظ بها أصل عالمه، وتحيا بها سنة إلهية لا تنفد عجائبه، ولا تنتهي غرائبه، لا استثناء في جريها وإن كان واحدا، ولا اتفاق في طيها وإن كان نادرا شاردا، لا يدرك ساحلها ولا يقطع مراحلها، وكلما ركبت عدة منها أخذا من الدقيق إلى الجليل وجدتها لا تزيد على عالم واحد، ذا نظام واحد وتدبير متصل حتى ينتهي الأمر إلى ما انتهى إليه توسع العلم إلى اليوم بالحس المسلح والأرصاد الدقيقة، وكلما حللتها وجزيتها راجعا من الكل إلى الجزء حتى تنتهي إلى مثل المليكول وجدته لا تفقد من العالم الواحد شيئا ذا نظام واحد وتدبير متصل، على أن كل اثنين من هذه الموجودات متغاير الواحدين ذاتا وحكما شخصا. فالعالم شيء واحد والتدبير متصل، وجميع الأجزاء مسخرة تحت نظام واحد وإن كثرت واختلفت أحكامها، وعنت الوجوه للحي القيوم، فإله العالم الموجد له والمدبر لأمره واحد وهذا هو البرهان الثاني.

ويستطرد العلامة السيد الطباطبائي في تفسيره الآية البقرة 164 قائلا: قوله تعالى: “والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس” ﴿البقرة 164﴾، والفلك هو السفينة يطلق على الواحد والجمع، والفلك والفلكة كالتمر والتمرة والمراد بما ينفع الناس المتاع والرزق تنقلها من ساحل إلى ساحل ومن قطر من أقطار الأرض إلى قطر آخر. وفي عد الفلك في طي الموجودات والحوادث الطبيعية التي لا دخل لاختيار الإنسان فيها كالسماء والأرض واختلاف الليل والنهار دلالة على أنها أيضا تنتهي مثلها إلى صنع الله سبحانه في الطبيعة فإن نسبة الفعل إلى الإنسان بحسب الدقة لا تزيد على نسبة الفعل إلى سبب من الأسباب الطبيعية، والاختيار الذي يتبجح به الإنسان لا يجعله سببا تاما مستقلا غير مفتقر إلى إرادة الله سبحانه ولا يجعله أقل احتياجا إليه تعالى بالنسبة إلى سائر الأسباب الطبيعية، فلا فرق من حيث الاحتياج إلى إرادة الله سبحانه بين أن يفعل قوة طبيعية في مادة، فتوجد بالفعل والانفعال والتحريك والتركيب والتحليل صورة من الصور كصورة الحجارة مثلا وبين أن يفعل الإنسان، بالتحريك والتقريب والتبعيد في المادة صورة من الصور كصورة السفينة مثلا في أن الجميع تنتهي إلى صنع الله وإيجاده لا يستقل شيء مستغنيا عنه تعالى في ذاته وفعله. فالفلك أيضا مثل سائر الموجودات الطبيعية تفتقر إلى الإله في وجودها وتفتقر إلى الإله في تدبير أمرها من غير فرق، وقد أشار تعالى إلى هذه الحقيقة بقوله: “وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ” (الصافات 96)، حيث حكاه من إبراهيم فيما قاله لقومه في خصوص الأصنام التي اتخذوها آلهة فإن من المعلوم أن الصنم ليس إلا موجودا صناعيا كالفلك التي تجري في البحر، وقال تعالى: “وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ” (الرحمن 24)، فعدها ملكا لنفسه، وقال تعالى: ” وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ” (إبراهيم 32)، فعد تدبير أمرها راجعا إليه. كلام في استناد مصنوعات الإنسان إلى الله سبحانه فما أغفل هؤلاء الذين يعدون الصناعيات من الأشياء التي يعملها الإنسان مصنوعة مخلوقة للإنسان مقطوعة النسبة عن إله العالم عز اسمه مستندين إلى أنها مخلوقة لإرادة الإنسان واختياره. فطائفة منهم – وهم أصحاب المادة من المنكرين لوجود الصانع زعموا أن حجة المليين في إثبات الصانع: أنهم وجدوا في الطبيعة حوادث وموجودات جهلوا عللها المادية ولزمهم من جهة القول بعموم قانون العلية والمعلولية في الأشياء والحوادث أن يحكموا بوجود عللها وهي مجهولة لهم بعد فأنتج ذلك القول بأن لهذه الحوادث المجهولة العلة علة مجهولة الكنه هي وراء عالم الطبيعة وهو الله سبحانه فالقول بأن الصانع موجود فرضية أوجب افتراضها ما وجده الإنسان الأولي من الحوادث المادية المجهولة العلل كالحوادث الجوية وكثير من الحوادث الأرضية المجهولة العلل، وما وجده من الحوادث والخواص الروحية التي لم يكشف العلوم عن عللها المادية حتى اليوم. قالوا: وقد وفق العلوم في تقدمها الحديث لحل المشكل في الحوادث المادية وكشفت عن عللها فأبطلت من هذه الفرضية أحد ركنيها وهو احتياج الحوادث المادية المجهولة العلل إلى علل ورائها، وبقي الركن الآخر وهو احتياج الحوادث الروحية إلى عللها، وانتهاؤها إلى علة مجردة، وتقدم البحث في الكيمياء الآلي جديدا يعدنا وعدا حسنا أن سيطلع الإنسان على علل الروح ويقدر على صنعه الجراثيم الحيوية وتركيب أي موجود روحي وإيجاد أي خاصة روحية، وعند ذلك ينهدم أساس الفرضية المذكورة ويخلق الإنسان في الطبيعة أي موجود شاء من الروحيات كما يخلق اليوم أي شيء شاء من الطبيعيات، وقد كان قبل اليوم لا يرضى أن ينسب الخلق إلا إلى علة مفروضة فيما وراء الطبيعة، حمله على افتراضها الجهل بعلل الحوادث، هذا ما ذكروه.