مفاهيم عن السكر والجنابة والاغتسال والتيمم عند الشيخ مكارم الشيرازي في الأمثل

د. فاضل حسن شريف

جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا” (النساء 43) بعض الأحكام الفقهية: تستفاد من الآية الحاضرة عدّة أحكام إسلامية هي: 1ـ حرمة الصّلاة في حال السكر، أي لا يجوز للسكارى أن يقربوا الصّلاة لبطلان صلاتهم في حالة السكر، وفلسفة ذلك واضحة، فإن الصلاة حديث العبد إلى ربّه ومناجاته ودعاؤه، ولا بدّ أن يتمّ كل هذا في حالة الوعي الكامل، والسكارى أبعد ما يكونون عن هذه الحالة: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ” (النساء 43). وهنا يمكن أن يطرح أحد سؤالا هو: أليس مفهوم الآية هو المنع من شرب المسكرات إذا بقي أثرها وسكرها إلى وقت الصلاة، وهو ينطوي على دليل جوازه في سائر الحالات؟ والإجابة على هذا السؤال تأتي بإذن الله مفصّلة عند تفسير الآية (90) من سورة المائدة “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (المائدة 90)، إلّا أن الجواب الإجمالي هو: إنّ الإسلام استخدم لتطبيق الكثير من أحكامه أسلوب (التغيير التدريجي) فمثلا مسألة تحريم تعاطي الخمور هذه طبقها الإسلام في مراحل، فهو أوّلا أعطاه صفة المشروب الغير المحبّذ في قبال (الرزق الحسن) (كما في الآية (67) من سورة النحل “ورزقا حسنا” (النحل 67) “وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” (النحل 67) ثمّ منع من الاقتراب إلى الصلاة إذا كان السكر الناشئ منها لا يزال باقيا (كما في الآية الحاضرة) ثمّ قارن بين منافعه ومضاره ورجحان مضاره ومساوئه، كما في سورة البقرة الآية (219) ” يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ” (البقرة 219، وفي المرحلة الأخيرة نهى عن الخمر بصورة قاطعة وصريحة، كما في سورة المائدة الآية (90) “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (المائدة 90).

وأساسا ليس هناك من سبيل لتطهير المجتمع من جذور مفسدة اجتماعية أو خلقية متجذرة في أعماق المجتمع واقتلاعها من الجذور أفضل من هذا الأسلوب، وأجدى من هذا الطريق، وهو أن يهيأ الأفراد تدريجا، ثمّ يتمّ الإعلان عن الحكم النهائي. كما أنّه لا بدّ من الالتفات إلى نقطة مهمّة، هي أنّ الآية الحاضرة لا تجيز بأي وجه من الوجوه شرب الخمر، بل هي تتحدث فقط عن مسألة الاقتراب إلى الصلاة في حال السكر، بينما التزمت الصمت بالنسبة إلى حكم شرب الخمر في غير هذا المورد حتى يحين موعد المرحلة النهائية للحكم. هذا مع الالتفات إلى أنّ أوقات الصلوات الخمس خاصّة في ذلك الزمان الذي كانت العادة فيه إقامة الصلوات الخمس في أوقاتها، بحكم أنّها كانت متقاربة كان الإتيان بالصلاة في حال الوعي يقتضي أن ينصرف الأشخاص عن تناول المسكرات في الفترات الواقعة بين أوقات الفرائض انصرافا كليا، لأنّ السكر كان يستمر غالبا إلى حين حلول وقت الفريضة وعلى هذا كان الحكم المذكور في الآية الحاضرة أشبه بالحكم النهائي والتحريم الأبدي المطلق. كما أنّ هناك موضوعا لا بدّ من التذكير به، وهو أنّ الآية الحاضرة فسّرت في روايات عديدة في كتب الشيعة والسنة بسكر النوم، يعني لا تقربوا الصلاة ما لم تطردوا النوم عن عيونكم كاملة لتعلموا ما تقولون. ولكن يبدو للنظر أن هذا التّفسير مستفاد من مفهوم: “حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ” (النساء 43) وإن لم يدخل في مصداق (السكارى). وبعبارة أخرى، يستفاد من جملة: “حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ” (النساء 43) المنع عن الصلاة في كل حالة لا يتمتع فيها الإنسان بالوعي الكامل، سواء كان بسبب حالة السكر، أو بسبب ما تبقى من النوم. كما أنّه يستفاد من هذه الجملة أيضا أنّ الأفضل عدم إقامة الصلاة عند الكسل أو قلّة التوجه، لأنّ الحالة السابقة توجد في هذه الصورة بشكل ضعيف، ولعلّه لهذا السبب جاء في ما روي عن الإمام الباقر عليه ‌السلام من أنّه قال: (لا تقم إلى الصلاة متكاسلا، ولا متناعسا ولا متثاقلا وقد نهى الله عزوجل المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة وهم سكارى).

3ـ بطلان الصلاة في حال الجنابة الذي أشير إليه بعبارة “وَلا جُنُباً” (النساء 43) ثمّ استثنى سبحانه من هذا الحكم بقوله: “إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ” (النساء 43) أي إذا فقدتم الماء في السفر جاز لكم أن تقيموا الصلاة (شريطة أن تتيمموا كما يجيء في ذيل الآية). غير أن هناك تفسيرا آخر جاء لهذه الآية في الروايات والأخبار، هو أنّ المقصود من الصلاة في الآية هو محل الصلاة أي المسجد أي لا تدخلوا المساجد وأنتم على جنابة، ثمّ استثنى العبور في المسجد بقوله: “إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ” (النساء 43) يعني يجوز لكم العبور في المسجد وأنتم على جنابة وإن لم يجز لكم المكث واللبث فيه. ويستفاد من بعض الروايات أنّ جماعة من المسلمين، وصحابة النّبي كانوا قد بنوا بيوتهم حول المسجد النّبوي بحيث تفتح أبوابها في المسجد، فسمح لهم بأن يعبروا من المسجد وهم على جنابة دون أن يتوقفوا فيه. ولكن لا بدّ أن ننتبه إلى أن هذا التّفسير يستلزم أن تكون لفظة الصلاة في الآية الحاضرة قد أتت بمعنيين: أحدهما الصلاة نفسها، والآخر محل الصلاة، لوجود بيان حكمين مختلفين في الآية: أحدهما المنع والنهي عن الاقتراب إلى الصلاة في حالة السكر، والآخر الاجتناب عن دخول المساجد في حالة الجنابة (طبعا لا مانع ولا ضير في استعمال لفظة واحدة في معنيين أو أكثر كما قلنا في علم الأصول، ولكنّه خلاف الظاهر، وهو لا يجوز بدون قرينة، نعم يمكن أن تكون الروايات المذكورة قرينة على ذلك). 3ـ جواز الصلاة، أو عبور المسجد بعد الاغتسال، هو المبين بقوله: “حَتَّى تَغْتَسِلُوا” (النساء 43). 4ـ التيمم لذوي الأعذار، ثمّ تشير الآية إلى حكم التيمم لذوي الأعذار فتقول: “وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ” (النساء 43) وفي هذه العبارة من الآية قد اجتمعت ـ في الحقيقة ـ كل موارد التيمم، فالمورد الأوّل هو ما إذا كان في استعمال الماء ضرر على البدن، والمورد الآخر هو ما إذا تعذر على الإنسان الحصول على الماء (أم لم يمكن استعماله) وبقوله: “أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ” (النساء 43) إشارة إلى علل الاحتياج إلى التيمم وأسبابه، ومعناه إذا أحدثتم حدثا أو جامعتم النساء “فَلَمْ تَجِدُوا ماءً” (النساء 43) أي لم تقدروا على تحصيل الماء أو استعماله “فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً” (النساء 43). ثمّ أنّه سبحانه يبيّن طريقة التيمم بقوله: “فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ” (النساء 43). ثمّ أنّه في ختام الآية يشير إلى حقيقة أنّ الحكم المذكور ضرب من التخفيف عنكم، لأنّ الله كثير الصفح كثير الستر لذنوب عبادة “إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً” (النساء 43).