د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قال الله جل جلاله “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” (يونس 5) الضياء على ما قيل مصدر ضاء يضوء ضوء وضياء كعاذ يعوذ عوذا وعواذا، وربما كان جمع ضوء كسياط جمع سوط، واللفظ على ما قيل على تقدير مضاف والأصل جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور. وكذلك قوله: “وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ” أي وقدر القمر ذا منازل في مسيره ينزل كل ليلة منزلا من تلك المنازل غير ما نزله في الليلة السابقة فلا يزال يتباعد من الشمس حتى يوافيها من الجانب الآخر، وذلك في شهر قمري كامل فترتسم بذلك الشهور وترتسم بالشهور السنون، ولذلك قال: “لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ” (يونس 5). والآية تنبىء عن حجة من الحجج الدالة على توحده تعالى في ربوبيته للناس وتنزهه عن الشركاء، والمعنى أنه هو الذي جعل الشمس ضياء تستفيدون منه في جميع شئون حياتكم كما يستفيد منه ما في عالمكم الأرضي من موجود مخلوق، وكذا جعل القمر نورا يستفاد منه، وقدره ذا منازل يؤدي اختلاف منازله إلى تكون الشهور والسنين فتستفيدون من ذلك في العلم بعدد السنين والحساب ولم يخلق ما خلق من ذلك بما يترتب عليه من الغايات والفوائد إلا بالحق فإنها غايات حقيقية منتظمة تترتب على خلقة ما خلق فليست بلغو باطل ولا صدفة اتفاقية. فهو تعالى إنما خلق ذلك ورتبه على هذا الترتيب لتدبير شئون حياتكم وإصلاح أمور معاشكم ومعادكم فهو ربكم الذي يملك أمركم ويدبر شأنكم لا رب سواه. وقوله: “يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” (يونس 5) من المحتمل أن يراد به التفصيل بحسب التكوين الخارجي أوبحسب البيان اللفظي، ولعل الأول أقرب إلى سياق الآية.
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قال الله جل جلاله “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” (يونس 5) جانب من آيات عظمة الله: لقد مرّت في الآيات السابقة إِشارة عابر إِلى مسألة المبدأ والمعاد، إلاّ أن هذه الآيات وما بعدها تبحث بصورة مفصلة هذين الأصلين الأساسيين اللذين يمثلان أهم دعامة لدعوة الأنبياء، وبتعبير آخر فإِنّ الآيات اللاحقة بالنسبة للسابقة بمثابة التفصيل للإِجمال. لقد أشارت الآية الأُولى التي نبحثها إِلى جوانب من آيات عظمة الله سبحانه في عالم الخلقة فقالت: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا” (يونس 5). إِنّ الشمس التي تعم العالم بنورها لاتعطي النور الحرارة للموجودات فحسب، بل هي العامل الأساس في نموالنباتات وتربية الحيوانات، وإِذا دقّقنا النظر رأينا أنّ كل حركة على وجه الكرة الأرضية، حتى حركة الرياح وأمواج البحار وجريان الأنهار والشلالات، هي من بركات نور الشمس، وإِذا ما انقطعت هذه الأشعة الحياتية عن كرتنا الأرضية يوماً فإِنّ السكون والظلمة والموت سيخيّم على كل شيء في فاصلة زمنية قصيرة. والقمر بنوره الجميل هو مصباح ليالينا المظلمة، ولا تقتصر مهمّته على هداية المسافرين ليلا وإِرشادهم إِلى مقاصدهم، بل هو بنوره المناسب يبعث الهدوء والنشاط لكل سكان الأرض. ثمّ أشارت الآية إِلى فائدة أُخرى لوجود القمر فقالت: “وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ” (يونس 5) أي إِنّكم لونظرتم إِلى القمر، وأنّه في أوّل ليلة هلال رفيع، ثمّ يكبر حتى يكون بدراً في ليلة النصف من الشهر، وبعدها يبدأ بالنقصان التدريجي حتى اليوم أواليومين الأخيرين حيث يغيب في المحاق، ثمّ يظهر على شكل هلال من جديد ويدور إِلى تلك المنازل السابقة، لعلمتم أن هذا الإِختلاف ليس عبثاً، بل إِنّه تقويم طبيعي دقيق جدّاً يستطيع الجاهل والعالم قراءته، ويقرأ فيه تاريخ أعماله وأُمور حياته. ثمّ تضيف الآية: إِن هذا الخلق والدوران ليس عملا غير هادف، أوهومن باب اللعب، بل “مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقّ ” (يونس 5). وفي النهاية توكّد الآية: “يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” (يونس 5) إلاّ أنّ هؤلاء الغافلين وفاقدي البصيرة بالرغم من أنهم يمرون كثيراً على هذه الآيات والدلائل، إلاّ أنّهم لا يدركون أدنى شيء منها.
الشمس بضيائها أكثر وضوحا لحساب الأيام كون اليوم يبدأ بشروق الشمس وينتهي بشروق الشمس في اليوم التالي. والقمر يتضح فيه بداية الشهر ونهايته فيبدأ برؤية الهلال وينتهي برؤية الهلال للشهر التالي، وبالنتيجة تحسب السنة التي تعادل 12 شهرا، والشهر نحو 30 يوما كما قال الله تعالى “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” (يونس 5). جاء في معاني القرآن الكريم: قمر القمر: قمر السماء. يقال عند الامتلاء وذلك بعد الثالثة، قيل: وسمي بذلك لأنه يقمر ضوء الكواكب ويفوز به. قال: “هو الذي جعل الشمس ضياءا والقمر نورا” (يونس 5)، وقال: “والقمر قدرناه منازل” (يس 39)، “وانشق القمر” (القمر 1)، “والقمر إذا تلاها” (الشمس 2)، وقال: “كلا والقمر” (المدثر 32). والقمراء: ضوءه، وتقمرت فلانا: أتيته في القمراء، وقمرت القربة: فسدت بالقمراء، وقيل: حمار أقمر: إذا كان على لون القمراء، وقمرت فلانا: كذا خدعته عنه. عن موقع اسلام ويب: فإن الشمس والقمر ليسا شيئًا واحدًا، فكل منهما كائن مستقل، يجري في فلك مستقل، كما قال الله تعالى: “وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ” “الأنبياء 33”. ولكن القمر يستمد نوره من الشمس، وهي بعيدة منه، وقد فرق الله تعالى بين الشعاع الصادر منهما، فقال تعالى: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” “يونس 5″، وقال تعالى: “وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا” (نوح 16).
جاء في معاني القرآن الكريم: تلو تلاه: تبعه متابعة ليس بينهم ما ليس منها، وذلك يكون تارة بالجسم وتارة بالاقتداء في الحكم، ومصدره: تلو وتلو، وتارة بالقراءة وتدبر المعنى، ومصدره: تلاوة “والقمر إذا تلاها” (الشمس 2)، أراد به ههنا الاتباع على سبيل الاقتداء والمرتبة، وذلك أنه يقال: إن القمر هو يقتبس النور من الشمس وهو لها بمنزلة الخليفة، وقيل: وعلى هذا نبه قوله: “وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا” (الفرقان 61)، فأخبر أن الشمس بمنزلة السراج، والقمر بمنزلة النور المقتبس منه، وعلى هذا قوله تعالى: “جعل الشمس ضياء والقمر نورا” (يونس 5)، والضياء أعلى مرتبة من النور، إذ كل ضياء نور، وليس كل نور ضياء.