تعويض الفوات: قراءة وجدانية في انتظار الخلاص

رياض سعد

في هذا البيت الشعري المكثّف : «لعلَّ الذي في أوّلِ العمرِ فاتني ***تعوِّضينه أنتِ لي في آخرِ العمرِ»

يفتح الشاعر البهاء زهير بن محمد الأَزدي نافذةً واسعة على النفس الإنسانية، تلك النفس التي تعيش على الأمل بقدر ما تتغذّى على الذاكرة… ؛  إنّه بيت يبدو بسيطًا في تركيبه، غير أنّه عميق في طبقاته الدلالية، مشحونٌ بحنينٍ هادئ لا يصرخ، وبانتظارٍ صبور لا ييأس.

يقوم البيت على ثنائية الزمن: أوّل العمر وآخره، وهما ليسا مجرّد مرحلتين زمنيتين، بل حالتان شعوريتان… ؛  فأوّل العمر يرمز إلى البراءة، والبدايات المرتبكة، والعطاء المجّاني الذي لا يحسب حساب الخسارة … ؛  أمّا آخر العمر فليس بالضرورة الشيخوخة الجسدية، بل هو مرحلة الوعي، حين يتعلّم الإنسان أن يقيس الأشياء بعمق، وأن يعرف قيمة ما يُمنح وما يُسلب.

ولعل الشاعر في البيت  لا يتحدّث عن تعويض مادي أو نجاح خارجي فحسب ، بل عن تعويضٍ عاطفيّ وإنسانيّ خالص… ؛  إنّه يسلّم بأنّ شيئًا ما قد فاته، وأنّ الفوات قدرٌ لا يمكن إنكاره، لكنّه في المقابل يراهن على حضور “الآخر” القادر على جبر هذا النقص، وكأنّ الحبّ  أو الدعم هنا يتحوّل إلى فعل خلاص، لا إلى مجرّد شعور عابر.

وهنا يلتقي البيت الشعري مع التجربة الإنسانية المعاصرة التي نعيشها… ؛  طالما خسرنا في الحياة، وبدّدنا جهودنا وأوقاتنا على أشخاصٍ لا يستحقّون، وبالغنا في منح الحبّ والحنان والمودّة، فلم نحصد في المقابل سوى شوك الحسد، ومرارة الحقد، وخيبات الخيانة… ؛  ومع تكرار المآسي والتجارب القاسية، سواء كانت عاطفية أم اجتماعية، يُصاب المرء بحالة من الإحباط والحزن، وكأنّ القلب يتعب من المحاولة دون أن يتعلّم التوقّف.

غير أنّ الإنسان، بطبعه الاجتماعي، لا يستطيع العيش في عزلةٍ كاملة عن بني جنسه… ؛  فمهما أثقلته الخيبات، يبقى في داخله صوتٌ خافت ينتظر، ويرجو، ويؤمن بأنّ القادم قد يكون مختلفًا… ؛  من هنا، يصير الانتظار فعل مقاومة، لا ضعف، ويغدو الأمل شكلًا من أشكال البقاء.

إنّ بيت البهاء زهير يختصر هذه الحالة النفسية بدقّة لافتة؛ فالإنسان، رغم علاقاته الاجتماعية المتعدّدة والفاشلة، ورغم تجارب العشق التي انتهت بالخذلان والصدّ والهجران، لا يكفّ عن البحث عمّن يعوّضه ما خسره، ويمنحه حبًّا لم يذق طعمه في بدايات حياته… ؛  إنّه لا يبحث عن تكرار الماضي، بل عن تصحيحه، ولا يطلب نسخة أخرى من الألم، بل معنى جديدًا للطمأنينة.

وهكذا، يصبح التعويض في البيت الشعري رمزًا لإعادة التوازن الداخلي، لا لمحو ما كان… ؛ فكلّ واحدٍ منّا، بشكلٍ أو بآخر، ينتظر من يعوّضه السنوات المسروقة من عمره، ويملأ جفاف قلبه بزخّات المطر، فتعود الأرض التي كانت يبابًا قادرةً على الإخضرار من جديد.

إنّه انتظار لا يخلو من الوجع، لكنه مفعم بالإيمان بأنّ بعض القلوب، حين تأتي متأخّرة، تأتي لتعويض كلّ ما فات.