د. فاضل حسن شريف
جاء في کتاب الإمام الباقر عليه السلام قدوة و أسوة المؤلف للسيد محمد تقي المدرسي: كان قتادة من أبرز فقهاء البصرة ولكنه كان يتشوق إلى رؤية الإمام الباقر عليه السلام ومناظرته، حيث كانت المدينة المنورة حاضرة الفقه والتفسير وسائر المعارف الإلهية، ولذلك فقد انتشر علم الإمام إلى كل الآفاق. من هنا جاء قتادة إلى المدينة يسأل عن الإمام فلما رآه قال له الإمام: (أَنْتَ فَقِيهُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ؟ قَالَ نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: وَيْحَكَ يَا قَتَادَةُ! إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ خَلْقاً مِنْ خَلْقِهِ فَجَعَلَهُمْ حُجَجاً عَلَى خَلْقِهِ، وَهُمْ أَوْتَادٌ فِي أَرْضِهِ، قُوَّامٌ بِأَمْرِهِ، نُجَبَاءُ فِي عِلْمِهِ، اصْطَفَاهُمْ قَبْلَ خَلْقِهِ أَظِلَّةً عَنْ يَمِينِ عَرْشِهِ. قَالَ: فَسَكَتَ قَتَادَةُ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ: أَصْلَحَكَ اللهُ وَاللهِ لَقَدْ جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيِ الْفُقَهَاءِ وَقُدَّامَ ابْنِ عَبَّاسٍ فَمَا اضْطَرَبَ قَلْبِي قُدَّامَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا اضْطَرَبَ قُدَّامَكَ. فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ؟ بَيْنَ يَدَيْ “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ” (النور 36-37) فَأَنْتَ ثَمَّ، وَنَحْنُ أُولَئِكَ. فَقَالَ قَتَادَةُ: صَدَقْتَ وَاللهِ، جَعَلَنِيَ اللهُ فِدَاكَ، وَاللهِ مَا هِيَ بُيُوتَ حِجَارَةٍ وَلَا طِينٍ. قَالَ قَتَادَةُ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْجُبُنِّ. فَتَبَسَّمَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام وَقَالَ: رَجَعَتْ مَسَائِلُكَ إِلَى هَذَا. قَالَ: ضَلَّتْ عَنِّي. فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. فَقَالَ: إِنَّهُ رُبَّمَا جُعِلَتْ فِيهِ إِنْفَحَةُ المَيِّتِ. قَالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ، إِنَّ الْإِنْفَحَةَ لَيْسَتْ لَهَا عُرُوقٌ وَلَا فِيهَا دَمٌ وَلَا لَهَا عَظْمٌ إِنَّمَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ. ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا الْإِنْفَحَةُ بِمَنْزِلَةِ دَجَاجَةٍ مَيْتَةٍ خَرَجَتْ مِنْهَا بَيْضَةٌ فَهَلْ تَأْكُلُ تِلْكَ الْبَيْضَةَ؟ فَقَالَ قَتَادَةُ: لَا، وَلَا آمُرُ بِأَكْلِهَا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّهَا مِنَ المَيْتَةِ. قَالَ لَهُ: فَإِنْ حُضِنَتْ تِلْكَ الْبَيْضَةُ فَخَرَجَتْ مِنْهَا دَجَاجَةٌ أَتَأْكُلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا حَرَّمَ عَلَيْكَ الْبَيْضَةَ وَأَحَلَّ لَكَ الدَّجَاجَةَ. ثُمَّ قَالَ: فَكَذَلِكَ الْإِنْفَحَةُ مِثْلُ الْبَيْضَةِ، فَاشْتَرِ الجُبُنَّ مِنْ أَسْوَاقِ المُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي المُصَلِّينَ وَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَكَ مَنْ يُخْبِرُكَ عَنْه).
عن تسميته عليه السلام باقرا يقول آية الله السيد محمد تقي المدرسي: لقد بَثَّ الإمام من علمه بين الناس حتى سُمِّي باقراً، فقد جاء في لسان العرب: تَبَقَّرَ في العلم: تَوَسَّعَ، ومنه سُمِّي أبو جعفر الباقر عليه السلام لأنه بقر العلم وشقه وفتحه. وقال ابن حجر في صواعقه المحرقة: سُمِّي بذلك مَنْ بَقَرَ الأرض أي شَقَّهَا وأَثَارَ مُخبَّآتها ومكامنها، فكذلك هو أظهرَ من مخبات كنوز المعارف، وحقائق الأحكام والحكم واللطائف، ما لا يخفى إلَّا على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية والسريرة، ومن ثم قيل فيه: هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه. وقد أفاض الإمام على المسلمين من علمه عبر تربيته لطائفة عظيمة من الفقهاء والمفسرين وحكماء المعارف الإلهية، من أمثال جابربن يزيد الجعفي، ومحمد بن مسلم، وأبان بن تغلب، ومحمد بن إسماعيل بن بزيع، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار وآخرين. كما أنه نشر العلم عبر من روى عنه من علماء عصره من أمثال: ابن المبارك، والزهري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وزياد بن المنذر النهدي. ومن المصنفين: الطبري، والبلاذري، والسلامي، والخطيب وغيرهم. وكان الولاة يجأرون إلى أهل بيت الرحمة كلما دهمتهم داهمة، وبالرغم من الصراع الحاد القائم بين الطرفين لم يدّخر الأئمة عليهم السلام وسعاً في خدمة الإسلام وإنقاذ الأمة من الأخطار المحيطة بها. من ذلك ما ينقل لنا التاريخ من ورطة وقع فيها الخليفة الأموي عبد الملك حسبما ذكره إبراهيم بن محمد البيهقي في كتابه المحاسن والمساوئ، حيث نقل عن الكسائي أنه قال: (دخلت على الرشيد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال كثير قد تشق عنه البِدَرُ شقًّا، وأمر بتفريقه في خدم الخاصة وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمله، وكان كثيراً ما يحدثني، فقال: هل علمت أول من سَنَّ هذه الكتابة في الذهب والفضة؟ قلت: يا سيدي هو عبد الملكبن مروان. قال: فما كان السبب في ذلك؟ قلت: لا علم لي غير أنه أول من أحدث هذه الكتابة. فقال: سأخبرك: كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانيًّا على دين ملك الروم وكانت تطرز بالرومية، وكان طرازها أباً وابناً وروحاً قديساً، فلم يزل ذلك كذلك وصدر الإسلام كله يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك فتنبه له وكان فطناً، فبينا هو ذات يوم إذ مر به قرطاس فنظر إلى طرازه فأمر أن يُترجم إلى العربية ففعل ذلك، فأنكره وقال: ما أغلظ هذا في الدين والإسلام، أن يكون طراز القراطيس بمصر وهي تحمل في الأواني والثياب، فتدور في الآفاق والبلاد وقد طُرِّزَتْ بشرك مثبت عليها، فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز بن مروان وكان عامله بمصر بإبطال ذلك الطراز على ما كان يطرز به من ثوب وقرطاس وستر وغير ذلك، وأن يأمر صُنّاع القراطيس بأن يطرزوها بسورة التوحيد “و شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ” (آل عمران 18)،
ويستطرد سماحة السيد المدرسي عن التسمية بالباقر قائلا: وهذا طراز القراطيس خاصة إلى هذا الوقت لم ينقص ولم يزد ولم يتغير، وكتب إلى عمال الآفاق جميعاً بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم ومعاقبة من وُجِدَ عنده بعد هذا النهي شيء منها بالضرب الوجيع والحبس الطويل، فلما أثبتت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد وحملت إلى بلاد الروم، انتشر خبرها ووصل إلى ملكهم، فترجم له ذلك الطراز فأنكره وغلظ عليه واستشاط غضباً فكتب إلى عبد الملك: إنَّ عمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم، ولم يزل يطرز بطراز الروم إلى أن أبطلته، فإن كان من تقدمَك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت، وإن كنت قد أصبت فقد أخطؤوا، فاختر من هاتين الحالتين أيهما شئت وأحببت، وقد بعثت إليك بهدية تشبه محلك وأحببت أن تجعل رد ذلك الطراز إلى ما كان عليه في جميع ما كان يطرز من أصناف الأعلاق، حاجة أشكرك عليها وتأمر بقبض الهدية وكانت عظيمة القدر، فلما قرأ عبد الملك كتابه رد الرسول وأعلمه أن لا جواب له ولم يقبل الهدية، فانصرف بها إلى صاحبه فلما وافاه أضعف الهدية ورد الرسول إلى عبد الملك وقال: إني ظننتك استقللت الهدية فلم تقبلها ولم تجبني عن كتابي، فأضعفت لك الهدية وأنا أرغب إليك في مثل ما رغبت فيه من رد هذا الطراز إلى ما كان عليه أولًا، فقرأ عبدالملك الكتاب ولم يجبه ورد الهدية، فكتب إليه ملك الروم يقتضي أجوبة كتبه ويقول: إنك قد استخففت بجوابي وهديتي ولم تُسعفني بحاجتي فتوهمتك استقللت الهدية فأضعفتها فجريت على سبيلك الأول وقد أضعفتها ثالثة، وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه أو لآمرن بنقش الدنانير والدراهم، فإنك تعلم أنه لا ينقش شيء منها إلَّا ما يُنقش في بلادي، ولم تكن الدراهم والدنانير نقشت في الإسلام فينقش عليها من شتم نبيك ما إذا قرأته ارْفَضَّ جبينك له عرقاً، فأُحبُّ أن تقبل هديتي، وترد الطراز إلى ما كان عليه، وتجعل ذلك هدية بررتني بها وتبقى على الحال بيني وبينك، فلما قرأ عبد الملك الكتاب غلظ عليه وضاقت به الأرض، وقال: أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام لأني جنيت على رسول الله صلى الله عليه واله من شتم هذا الكافر ما يبقى غابراً ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب، إذ كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم، فجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأياً يعمل به. فقال له روح بن زنباع: إنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه.قال: ويحك من؟ قال: الباقر من أهل بيت النبي صلى الله عليه واله. قال: صدقت ولكن أُرتج عليّ الرأي فيه، فكتب إلى عامله بالمدينة أن أَشْخص إليَّ محمد بن علي بن الحسين مكَرَّماً ومتّعه بمائتي ألف درهم لجهازه وبثلاثمائة ألف درهم لنفقته، وأزح علته في جهازه من يخرج معه من أصحابه، واحتبس الرسول قبله إلى موافاته عليه، فلما وافى أخبره الخبر، فقال له الباقر عليه السلام: (لَا يَعْظُمُ هَذَا عَلَيْكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ جِهَتَيْن: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَكُنْ لِيُطْلِقَ مَا يُهَدِّدُ بِهِ صَاحِبُ الرُّومِ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه واله. وَالْأُخْرَى: وُجُودُ الْحِيلَةِ فيه). روى الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (دَخَلَ النَّاسُ عَلَى أَبِي (الإمام الباقر) قَالُوا: مَا حَدُّ الْإِمَامِ؟ قَالَ: حَدُّهُ عَظِيمٌ، إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَيْهِ فَوَقِّرُوهُ وَعَظِّمُوهُ وَآمِنُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَهْدِيَكُمْ. وَفِيهِ خَصْلَةٌ إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَيْهِ لَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَمْلَأَ عَيْنَهُ مِنْهُ إِجْلَالًا وَهَيْبَةً، لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه واله كَذَلِكَ كَانَ وَكَذَلِكَ يَكُونُ الْإِمَامُ. قَالَ: فَيَعْرِفُ شِيعَتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ سَاعَةَ يَرَاهُمْ. قَالُوا: فَنَحْنُ لَكَ شِيعَةٌ، قَال: نَعَمْ كُلُّكُمْ؟ قَالُوا: أَخْبِرْنَا بِعَلَامَةِ ذَلِكَ، قَالَ: أُخْبِرُكُمْ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ وَقَبَائِلِكُمْ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا، فَأَخْبَرَهُمْ، قَالُوا: صَدَقْتَ. قَالَ: وَأُخْبِرُكُمْ عَمَّا أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْأَلُوا عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: “كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ” (ابراهيم 24) نَحْنُ نُعْطِي شِيعَتَنَا مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِلْمِنَا. ثُمَّ قَالَ: يُقْنِعُكُمْ؟ قَالُوا: فِي دُونِ هَذَا نَقْنَع).