د. فاضل حسن شريف
جاء في كتاب الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء عليها السلام للشيخ إسماعيل الأنصاري الزنجاني: قال السيد محمد الميلاني: و أما تشريفات زفاف فاطمة الحوراء سيدة النساء عليها السلام فهي كما يلي: 1. أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أمّ المؤمنين أم سلمة فأتت بالعروس الحوراء فاطمة الزهراء عليها السلام تجرّ أذيالها حياء من والدها العظيم. فكادت أن تعثر أمامه، فأعاذها الوالد الفذّ باللَّه من العثرة في الدنيا و الآخرة، فأصبحت بدعائه معصومة من كل عثرة أو زلّة طول حياتها. و هذا سرّ آخر كشفته لأهل المعرفة من أسرارها سلام اللّه عليها. 2. ثم أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فأتي ببغلته الشهباء و ثنى عليها قطيفة، و قال لها: اركبي ببسم اللّه. فركبت الصدّيقة الطاهرة كما أمرها النبي صلّى اللّه عليه و آله، مع أن غرفتها و حجرتها كانت بجنب المسجد و بجنب منزل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سرّ ذلك ليس فقط استحباب زفاف العروس و إنما لكي يعمي عيون حاسدي علي عليه السلام و مبغضيه أولا، ثم كان يهدف صلّى اللّه عليه و آله أن ينهى ابنته العروسة عن تذكّر يتمها و فقد أمها خديجة عليها السلام، إذ أن البنت- البنت الباكر- تذكر أمها ليلة زفافها و تغتمّ لفقدها. فهذه أسرار أخرى من زواج الزهراء عليها السلام كشفتها لذوي الألباب. 3. ثم أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سلمان المحمدي- الفارسي- أن يقود بغلتها، و مشى النبي صلّى اللّه عليه و آله بنفسه خلفها، و معه أرحامها و أعمامها: حمزة و جعفر و عقيل و بنو هاشم، مشهّرين سيوفهم إجلالا و هيبة لها، ثم ردعا لأي مؤامرة أو دسيسة محتملة من أعداء علي عليه السلام و المنافقين الذين كانوا يتربّصون الدوائر و يغتنمون الفرص حنقا و غيضا، كما ظهر منهم التآمر بدحرجة الدباب ليلة العقبة، و إيخافهم للفاطميات و الهاشميات بعد سنوات، و إلّا ما هو سرّ إشهار السيوف، إذ الزفاف ليس إعلان حرب أو إقدام على قتال؟ و أما سرّ انتخاب سلمان المحمدي لكى يقودها فهو جدير بالبحث و التحقيق من قبل المحقّقين، و لم يسبق لأحد أن نوّه إليه، فالذي أشير إليه هنا موجزا: إنه ليس السبب هو كبر سنّ سلمان، إذ كان في الصحابة من يساويه سنّا، و لم تك الشجاعة و البطولة، إذ كان الزبير و حمزة أشجع منه، فربما كان ذلك لأجل أن سلمان كان من أصحاب السرّ و من حواريي؟ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و من تلامذة أمير المؤمنين عليه السلام و شيعته المخلصين، و قد بلغ الدرجة العاشر من الإيمان و أصبح محمديا.
ويستطرد الشيخ اسماعيل الأنصاري الزنجاني عن زفاف فاطمة الزهراء عليها السلام قائلا: 4. ثم أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله نساءه و الهاشميات مع نساء المهاجرين و الأنصار أن يزفّنّ الحوراء فاطمة الزهراء عليها السلام، و ينشدن و يزغردن لها، فحففن بالعروس العذراء و هنّ يعلنّ الفرح و السرور. و قد أثبت المؤرخون أناشيد النساء في زفاف الحوراء الزهراء عليها السلام كما يلي: كانت أولهن أم سلمة أم المؤمنين تنشد و باقي النسوة يردّدن البيت الأول: سرن بعون اللّه جاراتي * و اشكرنه في كل حالات. و كانت عائشة تنشد و بقية النساء يردّدن المقطع الأول منها. و أنشدت حفصة تغنّي و النسوة يردّدن المقطوعة الأولى، ثم أخذت تغنّي و النساء يزغردن، إذ كانت ردّتها تصرّح باسم فاطمة عليها السلام، و وصفها بأنها خير نساء البشر على الإطلاق، و وصف جمالها و نور وجهها. و بعدها أخذت معاذة أم سعد بن معاذ تنشد و البواقي يردّدن بعد كل بيت تنشده ردّة شعرها و هو: أقول قولا فيه ما فيه الأبيات. 5. و أما هتاف الرجال جميعا بما فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فكان: (اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلّا اللّه و اللّه أكبر). 6. و آخر مرحلة من التشريفات التي ذكرها المؤرخون و الكتّاب و المؤلّفون انتهت بوصول موكب الزفاف و جوقة الأهازيج إلى حجرة العروس، فتبادلن الأوراد و تناولن الحلوى بهذه المناسبة الشّيقة. 7. ثم أنفذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلى علي عليه السلام الذي كان يتلهف بفارغ الصبر إلى لقاء حبيبته، و رؤية جمالها، فدعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال: لبيك و سعديك، فعليّ بين يديك، صلّى اللّه عليك. 8. فأخذ رسول اللّه بيد علي عليه السلام البطل المغوار، و الفتى الأمين، ثم هتف بالعروسة الحوراء سيدة النساء عليها السلام فمسك معصمها فوضع يدها في يد علي عليه السلام ابن عمّها. ثم قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: (هذه أمانة اللّه و رسوله، فخذها). ثم قال: (اذهبا إلى بيتكما، جمع اللّه بينكما، و أصلح بالكما أستودعكما اللّه). و في رواية أخرى قال: (اللهم هذه ابنتي و أحب الخلق إليّ. اللهم هذا أخي و أحب الخلق إلىّ، اللهم اجعله لك وليّا و بك حفيّا، و بارك له في أهله)، ثم قال: (يا علي! ادخل بأهلك بارك اللّه لك، و رحمة اللّه و بركاته عليكم، إنه حميد مجيد). ثم خرج من عندهما، فأخذ بعضادتي الباب فقال: (طهّركما اللّه و طهّر نسلكما، أنا سلم لمن سالمكما و حرب لمن حاربكما. أستودعكما اللّه و أستخلفه عليكما). ثم أغلق الباب عليهما.
ويستمر الشيخ الزنجاني في موسوعته الكبرى عن الزفاف الميمون قائلا: و إلى هنا توقّف جلّ الكتّاب الذين كتبوا عن الزواج الميمون المبارك، لكنني أستمر بسرد تمام القصة إتماما للفائدة و أقول: 9. ثم أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله جميع الحاضرين رجالا و نساء بالانصراف، فانصرفوا و لم يبق أحد سوى أسماء بنت عميس، زوجة عم فاطمة عليها السلام جعفر، لتلي منها ما تلي النساء من العروس، لأنها يتيمة الأم، فلا بدّ ممّن يقوم مقام خديجة عند فاطمة عليها السلام. 10. ثم قام أمير المؤمنين عليه السلام برشّ الماء من الحجرة حتى باب المنزل، عملا بالاستحباب. 11. ثم صلّى أمير المؤمنين ركعتي صلاة الزواج و العرس. 12. ثم سجد شكرا للَّه و حمدا أن زوّجه بفاطمة الزهراء عليها السلام، و قرأ الدعاء. 13. ثم من البديهي أنه قبّل علي عليه السلام يد الزهراء عليها السلام، كما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقبّل يدها و صدرها، و شمّ نحرها، كما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يشمّ بذلك رائحة الجنة منها. 14. ثم غسل أمير المؤمنين عليه السلام رجلي عروسته، طبعا للاستحباب و نفي الفقر، و بعد ذلك بديهي أنّه استأذنها لسائر ما يفعل العريس بعروسه من المستحبّات. ثم (مرج البحرين يلتقيان) بالتقاء علي عليه السلام بالزهراء الحوراء عليها السلام، فتناثرت شجرة طوبى بالصكاك لمحبّيها. هكذا تمّ زواج النورين. (فهنيئا لك يا علي، و بورك لك يا زهراء يا بنت محمد)، بهذه الجملة و ما شابهها أصبح المسلمون يهنئونهما رجالا و نساء. و في ختام الكلام عن هذه المناسبة العظيمة أحب أن ألفت أنظار القراء إلى نكتة دقيقة في زواج الحوراء الزهراء عليها السلام، و هي: إنها- فداها نفسي- كانت العروسة الوحيدة في التاريخ باستغنائها عن التجميل المعتاد للعرائس قديما و حديثا، فلم يتحدث أحد عن احتياج الزهراء عليها السلام إلى ما كانت الفتيات الأخريات سواها يحتجن إليه من الزركشة و التزيين ليلة العرس و الزفاف، فكان جمال الحوراء و زينتها الطبيعية فوق ما يتصوّره الإنسان في النساء الجميلات و ملكات الجمال في البشرية. لذلك لم يتحدث أحد في تشريفات زفافها عن احتياجها إلى الماشطة و ما شاكلها، فكانت حوراء بتمام المعنى، و كان وجهها كوجه القمر.