فكرة السلطة
كتب رياض الفرطوسي
ليست الإشكالية في أن تتولى السلطة شخصية قوية، فالتاريخ مليء بشخصيات حازمة قادت دولها في لحظات صعبة. الإشكالية الحقيقية تظهر حين يصبح وجود هذه الشخصية شرطاً لبقاء الدولة نفسها، وحين يبدو أن غياب الفرد يعني انهيار النظام. عند هذه النقطة، لا تعود المسألة متعلقة بالحاكم، بل بطبيعة السلطة التي بُنيت حوله.
في الدول التي استقر فيها النظام السياسي، تبدو السلطة أقرب إلى آلية هادئة تعمل في الخلفية. لا تحتاج إلى خطاب يومي، ولا إلى حضور دائم في المشهد العام. هي موجودة لأنها ضرورية، لا لأنها ملهمة. تشبه نظاماً إدارياً صارماً قد لا يثير الإعجاب، لكنه يوفّر قدراً عالياً من التوقّع والاطمئنان. يعرف الجميع حدوده، ويعرف الجميع أيضاً كيف يعمل.
أما في الدول التي تعيش قلقاً سياسياً مزمناً، فتأخذ السلطة شكلًا مختلفاً. تصبح أكثر حضوراً، وأكثر حساسية، وأشدّ ارتباطاً بالمزاج العام. هنا لا يكفي أن تعمل المؤسسات، بل يجب أن تُرى وهي تعمل. لا يكفي القرار، بل يجب أن يُعلَن. الصمت في هذه الحالة لا يُفهم بوصفه استقراراً، بل يُخشى أن يكون فراغاً.
لهذا، قد يظهر الحاكم في بعض الدول المتقدمة وكأنه يتصرف بحرية واسعة، يخطئ ويصيب، يثير الجدل أحياناً، ويتراجع أحياناً أخرى. غير أن هذه الحرية تبقى محكومة بإطار واضح. فالنظام لا يعتمد على صفات الحاكم الشخصية، بل على استمرارية القواعد. وحين تنتهي المدة، يغادر الموقع، وتستمر الدولة من بعده من دون ارتباك يُذكر.
في المقابل، في أنظمة أخرى، لا تكون هناك مسافة واضحة بين الحاكم والدولة. تتداخل الأدوار، وتتقاطع الصلاحيات، ويصبح وجود الشخص في الموقع عامل توازن أساسي. لا لأن المؤسسات غائبة بالضرورة، بل لأنها لم تُمنح الوقت أو الاستقلال الكافي لتعمل وحدها. عندئذٍ، يصبح التغيير عملية معقدة، ليس بسبب الرفض، بل بسبب الخوف من المجهول.
في مثل هذه البيئات، تميل السياسة إلى الطابع الشخصي. القرارات تُقرأ من زاوية الأشخاص أكثر مما تُقرأ من زاوية السياسات. الاقتصاد بدوره لا يكون مجرد أداة تنمية، بل يتحول أحياناً إلى وسيلة إدارة للتوازنات الاجتماعية. وحين تعتمد الدولة على موارد محدودة، تزداد حساسية السلطة، لأن توزيع هذه الموارد يصبح جزءاً من معادلة الاستقرار.
ضعف المؤسسات هنا لا يكون دائماً نتيجة إهمال، بل أحياناً نتيجة حذر مفرط. فالمؤسسة القوية تملك ذاكرة، والذاكرة تفتح باب المراجعة. والنظام الذي يخشى الارتباك يفضّل البدايات الدائمة على التراكم الطويل. هكذا تبدأ كل مرحلة وكأنها الأولى، وتنتهي من دون أن تترك سجلًا واضحاً لما بعدها.
وعندما يتغير رأس السلطة، لا يعني ذلك بالضرورة تغيّر النظام. لأن ما يبقى في العمق هو طريقة التفكير، لا شكل الإدارة. تُعاد صياغة الخطاب، وتتبدل الأولويات، لكن المنطق العام يستمر: البحث عن الاستقرار عبر الأشخاص لا عبر القواعد.
غالباً ما يُطرح الحل في صورة “الشخص المناسب”. شخصية تجمع بين القوة والنزاهة والقبول العام. غير أن التجربة تشير إلى أن الأشخاص، مهما كانت نياتهم، يعملون داخل بنى تفرض إيقاعها وحدودها. وحين تكون البنية غير مستقرة، تتحول أفضل النوايا إلى حلول مؤقتة.
لهذا، فإن بناء الدولة لا يقوم على الأخلاق وحدها، بل على تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع. على قواعد واضحة، تحدد الصلاحيات، وتنظم الانتقال، وتجعل الخروج من الموقع أمراً طبيعياً، لا لحظة قطيعة أو قلق.
في الأنظمة المغلقة، يصبح الخروج من السلطة مسألة حساسة، لأنه يُفهم أحياناً كاعتراف، لا كإجراء إداري. ومع غياب الضمانات، يتداخل السياسي بالوجودي، وتتحول القرارات الكبرى إلى رهانات عالية الكلفة.
المفارقة أن الخطاب الديمقراطي حاضر في كل مكان، لكنه لا يُمارَس دائماً كنظام متكامل. يُستدعى عند الحاجة، ويُهمّش عند التعقيد. وفي هذه المساحة الرمادية، يجد المواطن نفسه عالقاً بين حنين إلى استقرار ماضٍ، وخوف من مستقبل غير واضح المعالم.
كسر هذه الدائرة لا يتم بالشعارات، ولا بالتغييرات السطحية، بل ببناء سلطة يمكنها أن تعمل من دون أن تُرى باستمرار. سلطة تُدار بالقواعد، لا بالأشخاص. وحين يصبح الحاكم جزءاً من النظام، لا النظام كله، يمكن للدولة أن تخطو خطوة هادئة إلى الأمام.
قد يكون هذا المسار طويلًا وبطيئاً، لكنه المسار الوحيد الذي يحوّل السلطة من عبء ثقيل إلى فكرة قابلة للاستمرار. فكرة لا تعتمد على من يشغل الموقع، بل على ما يمثّله الموقع نفسه.