رياض سعد
ما الذي يحدث فجأة؟
كيف يتحوّل بعض الناس، بين ليلة وضحاها، إلى مروّجين لرموز مشبوهة، أو معجبين بشخصيات تاريخها مثقل بالدم والخراب؟
الأغرب من الإعجاب ذاته، أن كثيرًا من هؤلاء يعيشون داخل منظومة الدولة العراقية الجديدة، يتقاضون رواتبها، ويشغلون مناصبها، ويستفيدون من خيراتها… ثم في الوقت نفسه يلعنونها، ويتمنّون سقوطها، ويعملون – علنًا أو سرًّا – على تشويهها.
هنا تتجلّى واحدة من أخطر الظواهر في مجتمعات ما بعد الصراع: ازدواجية الانتماء.
أن تأكل من خبز الدولة، ثم تدعو على خرابها، ليس موقفًا سياسيًا، بل حالة نفسية–اجتماعية معقّدة، تختلط فيها عقد النقص، والشعور بالاغتراب، والرغبة في الانتقام الرمزي.
إنه نوع من الانفصام بين المصلحة الشخصية والخطاب العاطفي.
من زاوية علم النفس، كثير من هؤلاء يعيشون صراعًا داخليًا:
يريدون الاستقرار الذي توفّره الدولة، لكنهم لا يحتملون فكرة أن هذا الاستقرار جاء عبر مسار لا ينسجم مع هوياتهم الضيقة أو أحقادهم القديمة… ؛ فيلجؤون إلى الشتيمة، والسخرية، وتمجيد “البدائل المتوحشة”، كآلية دفاع نفسي لتعويض شعورهم بالعجز أو الخيبة.
ومن زاوية الاجتماع السياسي، نحن أمام مزيج خطير من:
الانتهازية: من يبدّل مواقفه حسب اتجاه الريح، بحثًا عن مكسب أو موقع.
الارتهان الخارجي: من يردّد خطابًا ليس نابعًا من قناعته، بل مفروضًا عليه ضمن مشاريع إقليمية تريد عراقًا ضعيفًا ممزقًا.
الجهل المركّب: من يصفّق للخراب وهو يظن أنه ثورة، ويمجّد العنف وهو يتخيّله خلاصًا.
لا يوجد إنسان يحترم نفسه يمكن أن يقدّم شخصيات ارتبط اسمها بالقتل والدمار بوصفها “منقذة”.
هذا ليس رأيًا حرًا، بل تشويه للوعي العام، وتطبيع مع العنف، ومحاولة لإعادة إنتاج الفوضى بثوب جديد.
ثم يأتي السؤال المؤلم:
من أين يأتي كل هذا الحقد؟
كيف يتحوّل الخلاف السياسي إلى سبّ، وشتم، وتخوين، وبيع للكرامة الوطنية مقابل عقدة طائفية أو ولاء أعمى؟
الوطن ليس شركة أسهم نبيعها عندما نخسر جولة.
والوطنية ليست منشورًا غاضبًا على وسائل التواصل.
الوطنية موقف أخلاقي: أن تختلف، نعم… لكن من داخل البيت، لا من خارجه.
العراق اليوم، رغم كل عثراته، يحاول أن ينهض من ركام عقود طويلة من الاستبداد والحروب… ؛ فمن الطبيعي أن تكون التجربة مليئة بالأخطاء، لكن غير الطبيعي أن يتحوّل بعض أبنائه إلى معاول هدم وهم يعيشون في ظله.
ما نحتاجه ليس مزيدًا من الشتائم، بل مزيدًا من الوعي.
ليس مطاردة الناس، بل محاسبة الأفكار بالحجة، والخطاب بالمنطق، والكراهية بالعقل.
فالدول لا تُبنى بالصراخ، ولا تُصلَح بتمني خرابها،
بل تُبنى حين يتقدّم الوعي على الأحقاد،
وحين يصبح النقد مسؤولية، لا شماتة.