آفات اللسان (واجتنبوا قول الزور)

د. فاضل حسن شريف

عن تفسير الميسر: قوله تعالى عن الزور “ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ” ﴿الحج 30﴾ الزُّورِ: ال اداة تعريف، زُّورِ اسم. فاجتنبوا: الفاء حرف استئناف، اجتنب فعل، وا ضمير، اجتنبوا اي ابتعدوا او اتركوا. قَوْلَ الزُّورِ: قول الباطل والكذب وشهادة الزور. ذلك الذي أمر الله به مِن قضاء التفث والوفاء بالنذور والطواف بالبيت، هو ما أوجبه الله عليكم فعظِّموه، ومن يعظم حرمات الله، ومنها مناسكه بأدائها كاملة خالصة لله، فهو خير له في الدنيا والآخرة. وأحلَّ الله لكم أَكْلَ الأنعام إلا ما حرَّمه فيما يتلى عليكم في القرآن من الميتة وغيرها فاجتنبوه، وفي ذلك إبطال ما كانت العرب تحرِّمه من بعض الأنعام، وابتعِدوا عن القذارة التي هي الأوثان، وعن الكذب الذي هو الافتراء على الله.

جاء في تفسير غريب القرآن لفخر الدين الطريحي النجفي: قال تعالى “اجتنبوا قول الزور” (الحج 30) أي الكذب لأن صدق القول من أعظم الحرمات. عن تحريم الكذب قال اية الله السيد محمد سعيد الحكيم: وقوله تعالى: “وَاجتَنِبُوا قَولَ الزُّورِ” (الحج 30) إن الزور وإن لم يختص بالكذب، كما سبق عند الكلام في حرمة الغناء، بل هو مطلق الميل، إلا أن الكذب من أظهر أفراد قول الزور.

قال الله تعالى عن الزور “ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ” ﴿الحج 30﴾، “وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا” ﴿الفرقان 72﴾، “وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ۖ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا” ﴿الفرقان 4﴾، “الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ” ﴿المجادلة 2﴾.

وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى عن الزور “ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ” ﴿الحج 30﴾ للتعظيم مظاهر شتى، تتفاوت على قدر المعظَّم، وما يليق به من التعظيم والاحترام، ولا شيء لدى المخلوق يليق بتعظيم خالقه إلا الطاعة والانقياد له في كل شيء، فمن أطاع اللَّه وامتثل أوامره ونواهيه فقد عظمه وعظَّم حرماته وشعائره، وهذا التعظيم أو هذه الطاعة ترفع من شأن المطيع عند خالقه، لا من شأن الخالق المطاع لأن اللَّه غني عن العالمين، ولذا قال تعالى: ” فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ” أي تعظيم أحكام اللَّه بإطاعتها خير للمطيع عند خالقه وبارئه. “وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ” ﴿الحج 30﴾. حرم اللَّه على الحاج الصيد أيام إحرامه، وربما توهم هذا الحاج المحرم انه إذا حرم عليه الصيد فقد حرم عليه أيضا الأكل من لحوم الانعام، فبين سبحانه عدم التلازم بين التحريمين، وان المحرم من الأنعام ما نص عليه القرآن كالميتة وما ذبح على النصب. انظر تفسير الآية 3 من سورة المائدة ج 3 ص 10 ” َاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ” ﴿الحج 30﴾. ابتعدوا عنها وعن عبادتها كما تبتعدون عن الأوساخ والأقذار، والأوثان كلها رجس، ولذا قال علماء العربية: ان من هنا للتبيين لا للتبعيض، مثلها مثل ” من ” في قولك: خاتم من حديد “واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ” ﴿الحج 30﴾. وقول الزور يشمل كل محرم كذبا كان أو غيبة أو شتما أو فحشا، وأشد أنواع الزور الشهادة الكاذبة لأن فيها هدرا لحقوق اللَّه والناس، قال رسول اللَّه صلى الله عليه واله وسلم: عدلت شهادة الزور بالشرك باللَّه. ثم تلا هذه الآية.

وردت كلمة زور ومشتقاتها في القرآن الكريم: تَزَاوَرُ، الزُّورِ، وَزُورًا، زُرْتُمُ. جاء في معاني القرآن الكريم: زور الزور: أعلى الصدر، وزرت فلانا تلقيته بزوري، أو قصدت زوره، نحو: وجهته، ورجل زائر، وقوم زور، نحو سافر وسفر، وقد يقال: رجل زور، فيكون مصدرا موصوفا به نحو: ضيف، والزور: ميل في الزور، والأزور: المائل الزور، وقوله: “تزاور عن كهفهم” (الكهف 17)، أي: تميل، قرئ بتخفيف الزاي وتشديده (قرأ بالتشديد “تزور” ابن عامر ويعقوب، وقرأ: “تزاور” نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو. وقرأ بالتخفيف “تزاور” عاصم وحمزة والكسائي وخلف. انظر: الإتحاف 288) وقرئ: “تزور” (قرأ بالتشديد “تزور” ابن عامر ويعقوب، وقرأ: “تزاور” نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو. وقرأ بالتخفيف “تزاور” عاصم وحمزة والكسائي وخلف. انظر: الإتحاف 288). قال أبو الحسن: لا معنى لتزور ههنا، لأن الازورار الانقباض، يقال: تزاور عنه، وازور عنه، ورجل أزور، وقوم زورن وبئر زوراء: مائلة الحفر وقيل للكذب: زور، لكونه مائلا عن جهته، قال: “ظلما وزورا” (الفرقان 4)، و “قول الزور” (الحج 30)، “من القول وزورا” (المجادلة 2)، “لا يشهدون الزور” (الفرقان 72)، ويسمى الصنم زورا.