عدنان طعمة
ليس السؤال اتهاما او مبني على حقائق ملموسة، بل أعده تمرينا تحليليا على فهم كيف تعمل الاختراقات الحديثة في عالم لم تعد فيه الجيوش والاجسام العسكرية الفتاكة وحدها أدوات النفوذ. فالاستخبارات في القرن الحادي والعشرين لا تدخل بالضرورة عبر الوسائل العسكرية، بل عبر العلاقات، والمال، والرغبة، والضعف الإنساني. وإذا كان ملف جيفري إبستين قد كشف ولو جزئيا عن نموذج اختراق قائم على الابتزاز الجنسي، وتوريط النخب، وصناعة شبكات صامتة من النفوذ، فإن التفكير بإمكانية تكرار النموذج في ساحات هشة يصبح سؤالا مشروعا، لا مؤامرة.
في حالة العراق وهو اكثر الدول هشاشة من ناحية الاختراق المخابراتي، لا يحتاج الاختراق إلى جزيرة أبستينية خاصة ولا إلى حفلات مغلقة. البيئة العراقية مهيأة بأشكال أخرى مثل نخب سياسية واقتصادية غير محصنة، فساد بنيوي، انكشاف اجتماعي، وغياب منظومة مساءلة فعالة، مافيات سيطرة. هنا والتحليل احتمالي يصبح أكثر نعومة لكنه أكثر فتكا، علاقات استثمارية مشبوهة، وسطاء ثقافيون وإعلاميون، منظمات واجهة، تمويل غير شفاف، وملفات شخصية تفتح وتغلق حسب الحاجة. وكذلك الاختراق لا يهدف بالضرورة إلى التجنيد الاستخباري المباشر، بل إلى التحييد، تعطيل القرار، تشويش السيادة، وإبقاء الدولة في حالة ارتباك دائم.
ما يجعل فرضية اختراق إسرائيل للعراق قابلة للنقاش ليس إثباتا قاطعا، بل تشابه الأنماط، الاعتماد على نقاط الضعف بدل المواجهة، تحويل العلاقات الخاصة إلى أدوات ضغط، وترك آثار كافية للنفوذ دون ترك بصمات قانونية واضحة. ومع ذلك، يبقى الفارق الجوهري بين هذا التحليل الاحتمالي والإدانة فلا توجد وثائق معلنة تثبت اختراقا إسرائيليا للعراق بهذا النموذج الابستيني تحديدا، كما لا يجوز اختزال تعقيدات الداخل العراقي في فاعل خارجي واحد.
اعتقد السؤال الأهم ليس، هل اخترقت إسرائيل العراق؟ بل هل يملك (العراق المريض) مناعة مؤسسية تمنع أي جهاز مخابراتي، أيا كان هذا الجهاز، من استثمار ضعفه؟ فالاختراق لا ينجح إلا حيث توجد قابلية داخلية له والعراق المتشرذم النموذج الواقعي لذلك. فحين تضعف المحاسبة القانونية ، وتترك النخب بلا رقابة، ومنظومة الفساد هي من تسيطر على الواقع، يصبح أي بلد وليس العراق وحده ساحة مفتوحة لنماذج نفوذ مخابراتية عابرة للحدود، بأسماء مختلفة وطرق متشابهة…