زخات المطر وقاع المدينة

رياض سعد

كان الظلامُ ينسجُ خيوطَهُ الفضية على جبين بغداد، وفي غرفةٍ يلفّها وهجُ الشاشة الوحيد، كان عليٌّ يغوص في بحرٍ سائلٍ من الوجوه والأسماء عبر مواقع التواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي … ؛  هناك، بين الأطياف الرقمية، برز له اسمٌ كوشمٍ من نور: أريان التركماني… ؛  من ديالى، تلك الأرض التي تتنفس أساطير الرافدين، بينما كان هو هنا، في بغداد، تتنازعه أنفاسُ التاريخ وآهاتُ الحاضر.

كانت العلاقة بينهما نبتةً غريبةً نَمَت في تربة الفضاء الافتراضي، تسقى بكلماتٍ تارةً تكون ندىً، وتارةً تكون ناراً… ؛  توطّدت عبر الأشهر، حتى صار اللقاء الحقيقي فكرةً تلحُّ كحلمٍ لا يُطاق… ؛  لم يكن عليٌّ يجهل هوى صديقه؛ كان أريان عطشاً مُتجسِّداً… ؛  كأساً لا قاعَ لها يبحث عن خمرة الجسد وملذات الحواس… ؛  “المهم هو الإشباع” – كانت هذه كلمته المفتاح.

نعم ؛ تبادلا الكلمات أولًا،

ثم الأحلام،

ثم الشكوى من ثِقَل الأيام.

ومع مرور الشهور، صار الصوت نصيرًا، وصارت الرسائل جسورًا، حتى بدا اللقاء ضرورةً لا مفرّ منها، كأن الروحين اتفقتا قبل الجسدين...

حين أخبره أريان بنيّته المجيء إلى بغداد، شعر عليّ بأن المدينة كلّها وُضعت فجأة على كتفيه.

كيف يستضيف صديقًا يحمل معه نزق المدن الصغيرة، وشهوة الاكتشاف، وتوق الحرية؟

كان عليّ يعرف طباع أريان، ويعرف كذلك قسوة بغداد حين تُحاصَر بالرقابة والخوف.

راح يبحث عن مأوى، لا للسرير وحده، بل للخصوصية، للسكينة المؤقتة التي يحتاجها الغريب.

نعم , أراد عليٌّ أن يكون مضيفاً كريماً، فانطلق في شوارع المدينة يتلمّس مكاناً يليق بلقاءٍ يخجل منه النهار… ؛  وقع اختياره، بعد تردد، على زيد، ذلك الرجل الذي حوّل حياته إلى سوقٍ للمتاجرة بكل شيء… ؛  كان لزيد بناتٌ أربع، زهراتٌ في عرينٍ من حديد… ؛  قدم له عليّ الهدايا والمال، واتفقا على صفقة: شقة في ليلة، وفتاةٌ تُدعى إيفان، لقاء مبلغٍ يزداد مع كل شرط … ؛  لكن عليّاً، وفي حركةٍ مفاجئة، طلب إخلاء الشقة من بناته المراهقات الصغيرات … ؛  كانت غيرةً غامضة، ورحمةً مفاجئةً تتعارض مع سياق الصفقة… ؛  هل كان يخاف عليهن من شَهوة أريان الجامحة، أم كان يحاول إنقاذ بقايا طهرٍ ما في داخله هو؟ زيدٌ لم يعترض؛ ففي قاموسه، المال هو الكلمة الوحيدة التي لا تحتمل الهامش...

ثم، كعادته، لم يضع ثقته في سلة واحدة، فاستنجد بصديقٍ آخر، سرمد، الذي استقبل الطلب بشروط باردة، تشبه قلب المدينة حين تُغلق أبوابها فجأة...

نعم ,  ظلُّ الشكِّ يلاحق عليّاً… ؛  زيدٌ كالضباب، وعودُه كالسراب… ؛  ففتش عن خطةٍ احتياطية، فوقع على سرمد، صديقٍ يُخبئ أنانيته تحت قناع المزاح… ؛  أعطاه مفتاح شقته، لكنه أرفقَه بشرطين: أن يشاركهما الشراب، وأن لا يدنس سريره المقدس بنومهما… ؛  شعر عليّ بالإهانة، كأنه يستجدي فضلةَ … ؛  وافق، وفي قلبه مرارة كالعلقم…!!

بين خيارين كلاهما مُرّ، وجد عليّ نفسه واقفًا في منتصف الطريق، يتأمل هشاشة العلاقات حين تتحول الصداقة إلى عقدٍ مؤقت، والبيوت والشقق إلى سلع...

ولم يكتفِ، بل فكّر في خيارٍ ثالث: فندق… ؛  لكن القوانين هنا تلعب أدواراً غريبة؛ فابن بغداد ممنوعٌ من المبيت في فنادقها!

ضحك عليّ بصوتٍ مرتفعٍ في سيارته الفارغة… ؛  لقد حوصر بين ثلاثة أوهام: قوّادٍ لا ضمير له، وصديقٍ لا وفاء فيه، وقانونٍ لا منطق له...!!

قبل ساعة من الموعد، اختفى زيد… ؛  صمت هاتفه كالقبر… ؛  تذكر عليّ كل التحذيرات: “إنه رجل الوهم والخيانة”… ؛ ثم اتصل بسرمد، فإذا بالشروط تتناسل: سيبقى معهما حتى الصباح، سيراقب، سيكون الحاضر الغائب في كل زاوية… ؛  أدرك عليّ أن هذه ليست شروطاً، بل إعلانٌ عن احتلالٍ للذات والفضاء… ؛  أغلق الهاتف… ؛  لقد سقط الخياران...!!

في الكراج، تحت المطر الهابط كدموع المدينة… ؛ وصل أريان مساءً، والمطر كان ينهمر كأنه يغسل أرصفة العاصمة من تعب النهار… ؛  كان وصوله كظلٍّ طال انتظاره… ؛  انطلقا في رحلة البحث عن الخمرة المحرّمة… ؛ اذ كانت الشوارع خاويةً إلا من الشرطة وأشباح الراغبين مثلهما… ؛  حتى الخمرة صارت سراً يُتاجر به في الأزقة.

نعم , بحثا عن شيء يدفئ غربتهما، عن متجرٍ مفتوح، عن فسحةٍ خارج قوانين الخوف، لكن الشرطة كانت منتشرة، والمدينة متقشفة حتى في أفراحها الصغيرة…

كان الناس يمرون مسرعين، وكلٌّ يحمل قلقه في جيبه…

وأخيرًا، عبر مساعدة عابرة ، حصلا على ما يكفي ليصنعا لأنفسهما وهمَ الاسترخاء… ؛ فقد  حصلا على الزجاجة الموعودة.

في السيارة، على أطراف المدينة، حيث ينام الضوء وينتشر الظل، احتسيَا الخمرة… ؛  كانوا سُكارى من غير سُكر الشراب: سُكرة الهرب من واقعٍ خانق، من قيودٍ مرئيةٍ وغير مرئية… ؛  الكلمات تدفقت مع الشراب، كشفاء مؤقتة عن جراحٍ لا تندمل.

نعم , قاد عليّ السيارة نحو أطراف المدينة، حيث الشوارع أهدأ، والأضواء أقل، وهناك جلسا يتبادلان الكؤوس والكلمات، يضحكان أحيانًا، ويصمتان طويلًا...

كانت بغداد تمتد حولهما ككائنٍ متعب … ؛ تحتضن أبناءها ثم تختبر صبرهم.

في المطعم، تحت الأضواء الوهّاجة، كانا يأكلان كباباً على صوت أم كلثوم… ؛  كان المشهد سوريالياً: لقاءُ نفسين ضائعتين في مدينةٍ تتجاهلهما، تناولا طعاماً شهياً بينما الجوع الحقيقي يكمن في الأعماق...

وأخيراً، فندق “الأحلام”… ؛  اسمٌ ساخرٌ… ؛  تغاضى المدير عن الهوية وعنوان السكن ؛ بفعل المبلغ المغري … ؛  الغرفة ٣٠٣ كانت حجرةً بلا نافذة على الحقيقة… ؛ في الغرفة، تمدد الإرهاق على الأجساد، وتسللت الخمرة إلى الرؤوس، فصار الكلام أثقل، والحركة أبطأ… ؛ ثم تغير الامر جذريا … ؛ هناك، بين الجدران الباردة، تحوّل القلق إلى احتكاك أجساد… ؛  المساج كان بوابة، والخمرة كانت الذريعة… ؛  انسابت الأيدي كأنها تبحث عن دفءٍ مفقود، عن إثبات وجود في عالم يجعل الإنسان شبحاً…

استيقظا عند الظهيرة كمن يخرج من حلمٍ ضبابي … ؛  الضوء القاسي يكشف فوضى الغرفة: ملابس متناثرة، زجاجة فارغة، وبقعٌ غامضة على الملاءات… ؛  نظرة صامتة تتبادلها العينان… ؛  لا خجل، لا ندم، لا متعة حقيقية… ؛  فقط فراغٌ هائل، كالصحراء بعد عاصفة… ؛  اغتسلا بالماء الساخن، محاولين غسل أثر اللّيلة، لكن بعض الأوساخ لا تزول…!!

اغتسلا بصمت، وارتديا وجهيهما اليوميين، كأن الليل لم يكن سوى فاصلةٍ عابرة في سطرٍ طويل من الحياة…

خرج كلٌّ منهما إلى طريقه… ؛ اذ عاد أريان إلى ديالى، وعاد عليّ إلى غرفته … ؛ نعم , عاد كلٌّ إلى وحدته التي صارت، بعد ذلك اللقاء، أكثر اتساعاً وعمقاً… ؛  لقد التقيا جسديّاً ليكتشفا أن المسافة بين نفسيهما أكبر من كل المسافات الجغرافية… ؛  كان اللقاء محاولة لملء فراغ، فإذا به يحفر فراغاً جديداً، أشدّ ظلمةً وصمتاً…

وبقيت بغداد خلفهما،

تحفظ القصة في جدرانها،

وتبتسم ابتسامة المدن القديمة،

التي رأت الكثير…

وتعلم أن البشر، مهما هربوا، يعودون دائمًا إلى وحدتهم الأولى.