ميثاق الظلام : في تشريح الظاهرة الشيطانية وتحولات الشر المعاصر

علي كاظم الساعدي

*مقدمة تحليلية

ليست الأفكار المشوهة المتعلقة بالتواطؤ مع القوى المظلمة مجرد مصادفات عابرة، بل هي أنماط فكرية ممنهجة تنطوي على تواطؤ مزدوج: مع الذات أولاً، ثم مع مفهوم مُجرَّد للشر… ؛  ففي العوالم المغلقة لبعض التيارات الفكرية المنحرفة، سواء أعلنت ذلك صراحة أم ضمنياً، تتبلور نظرة ترى في “الشيطان” أو في القوى الخارقة للطبيعة شريكاً يمكن التعاقد معه لتحقيق مآرب ذاتية وسياسية … ؛ و هذه الظاهرة تستحق دراسة معمقة، فهي تكشف عن تحولات خطيرة في العلاقة بين الإنسان والشر، وبين الحرية والعبودية، وبين الغاية والوسيلة.

*البعد الديني: من العقيدة إلى اللامعنى

في السياق الديني التوحيدي، يمثل الشيطان رمزاً للتمرد على الإرادة الإلهية، والانحراف عن الفطرة السليمة… ؛  لكن ما يحدث في هذه الظاهرة هو اختزال للشيطانية إلى مجرد “مورد قوة” أو “وسيط تقني” يُستدعى لتحقيق غايات دنيوية… ؛ و هذا الانزياح يحوِّل المقدس (ولو في صورته السلبية) إلى سلعة، ويحول العلاقة الأخلاقية بين الخير والشر إلى تعاقد نفعي… ؛  إنه استدعاء للرمز الديني بعد تجريده من بعده الغيبي الأخلاقي، وتحويله إلى أداة في يد الإنسان، وهو ما يتناقض مع جوهر الفكر الديني الذي يرى في الشر انفصالاً عن المصدر الإلهي للخير.

*البعد الفلسفي: الحرية الوهمية والعبودية الطوعية

تتأسس هذه الظاهرة على مغالطة فلسفية كبرى: الاعتقاد بأن الانحراف الأخلاقي المتعمد هو تعبير عن الحرية المطلقة للفرد… ؛  ولكن ما يحدث في الواقع هو استبدال قيود المجتمع والأخلاق بقيود أكثر قسوة: قيود الطقوس الشيطانية والأوامر “الكهنوتية الظلامية ” الجديدة… ؛  إنها “عبودية طوعية” بامتياز، كما وصفها الكاتب والفيلسوف الفرنسي إيتيان دو لا بويسيه ، حيث يظن المضلل أنه يحرر ذاته بينما هو يسلمها لسلطة أكثر ظلامية… ؛  فاللاعب في هذه “اللعبة” ليس حراً، بل هو عبد لتعليمات تقدم له على أنها تعاليم تحررية، بينما تؤدي به إلى اغتراب كامل عن إنسانيته.

*البعد السياسي والأيديولوجي: تبرير الهيمنة وتأسيس السلطة

يمكن قراءة هذه الظاهرة أيضاً من منظور سياسي، حيث تعيد إنتاج منطق القوة والهيمنة… ؛  فتحويل الشر إلى “فلسفة” والانحراف إلى “طقس” هو آلية لتأسيس شرعية بديلة لنخب تفتقر إلى الشرعية الأخلاقية أو الاجتماعية… ؛  إنها أيديولوجيا تبرر السيطرة عبر تدمير المعايير الأخلاقية المشتركة، وتأسيس معايير جديدة تقوم على التسلط والخوف… ؛  وهذا ما يفسر ميل بعض الجماعات المتطرفة والطائفية إلى تبني رموز وشعائر ذات طابع “شيطاني” واضح، بهدف تفكيك البنى الأخلاقية للمجتمعات المستهدفة، وخلق فراغ قيمي تملئه ثقافة القوة الخالصة.

*التداعيات السيكولوجية والاجتماعية: من التطبيع مع القبح إلى السادية المؤسسية

الآلية الأكثر خطورة هنا هي “تطبيع الشاذ”، حيث يصبح الانحراف طقساً، والفحش ممارسة، والجريمة وسيلة… ؛ و هذه العملية تؤدي إلى تبلد المشاعر وإلى “تسوية أخلاقية” تنخفض فيها عتبة التقزز من القبح… ؛ اذ ينتج عن ذلك تحول في البنية النفسية للفرد، حيث تتفشى السادية كمتعة مزعومة، وتتحول المعاناة الإنسانية إلى مشهد للاستمتاع… ؛  وكلما اقتربت الممارسات من الافتراس الحيواني، زادت “المتعة” المزعومة لدى ممارسيها، في انفصام كامل عن الإحساس بالتعاطف الإنساني.

هذا التفكيك للآخر (المجني عليه) وتحويله إلى “مادة استهلاكية” أو “قربان” يذكرنا بما وصفه الفيلسوف إيمانويل ليفيناس في تحليله لظاهرة “قتل الآخر” حيث يتم تجريده من إنسانيته ليصبح مجرد شيء… ؛  ولكن الجديد هنا هو تحويل هذه العملية إلى “طقس مؤسسي” له شرعيته الداخلية داخل الجماعة المنحرفة.

*الخلفية الأنثروبولوجية: استدعاء الأسطورة وتحويلها إلى أيديولوجيا

تعيد هذه الظاهرة إنتاج أنماط بدائية من التفكير السحري، حيث يُعتقد أن مخالفة تابوهات المجتمع ستطلق قوى خفية لصالح المخالف… ؛  لكنها تفعل ذلك في سياق حديث، يستخدم أدوات التحليل والتبرير الفلسفي لتسويغ السلوكيات الهمجية… ؛  إنها عملية “ترشيد” للأسطورة، وتحويلها إلى منهج حياة.

*المُنعَطَف الأخلاقي: إعادة تعريف الشر كقوة

الأخطر في هذه الظاهرة هو محاولة إعادة تعريف المفاهيم الأخلاقية نفسها… ؛  فالشر لم يعد يُصوَّر كنقص أو انحراف، بل كـ”قوة” إيجابية… ؛  والانحراف لم يعد يُرى كسقوط، بل كـ”تحرر”… ؛  وهذا قلب تام للمفاهيم يشبه ما حذر منه جورج أورويل في رواية “1984” حيث تصبح الحرية عبودية، والجهاز قوة… ؛  إنه تدمير للغة للأخلاق نفسها، وبالتالي تدمير لإمكانية الحوار المجتمعي حول الخير والشر.

*الخاتمة: المواجهة بالوعي لا بالإنكار

لا تكفي المواجهة الأمنية أو الدينية التبسيطية لهذه الظاهرة…؛  فالجذر الفكري لهذا الداء يتطلب مواجهة فكرية شاملة. وهذا يعني:

1. ترسيخ القيم الإنسانية المشتركة: عبر تعزيز الخطاب الأخلاقي العقلاني الذي يربط بين الفضيلة والكرامة الإنسانية.

2. تحكيم العقل النقدي: في مواجهة الخرافة المقنعة بأقنعة فلسفية زائفة.

3. حماية الفطرة الإنسانية: من خلال التربية على التعاطف واحترام الآخر.

4. الكشف عن زيف الوعود الشيطانية: التي لا تمنح قوة حقيقية، بل تستدرج أتباعها إلى حفرة من الوهم والفراغ الروحي.

فالشيطان في كل التراث الإنساني والديني لا يرفع منزلة، بل يهوي بصاحبه؛ ولا يحقق أمناً، بل يزرع الخوف ثم يترك أتباعه في فراغ وجودي… ؛  والمواجهة الحقيقية تكون بإعادة بناء المعنى الإنساني الأصيل، القائم على الخير كممارسة إرادية حرة، لا على الشر كعبودية طوعية مُزيَّفة.

إنها معركة الوعي ضد الوهم، والعقل ضد الخرافة، والإنسانية ضد الوحشية المقنعة بثياب الفلسفة.

علي كاظم الساعدي