الشيعة بين مطرقة الوصاية الإعلامية وسندان التحريم السياسي والفيتو الطائفي

رياض سعد

قراءة سياسية–اجتماعية–نفسية في ظاهرة محاصرة الشيعة وتجريم حضورهم في السلطة

**مقدمة : الشيعة بين شرط المظلوميّة  والاقصاء وحقّ السلطة والتمثيل السياسي

ليست ظاهرة محاصرة الشيعة فكريًا وإعلاميًا وسياسيًا ودينيا أمرًا طارئًا أو عارضًا، بل هي بنية راسخة في الوعي الجمعي الإقليمي والعربي والاسلامي … ؛ اذ تشكّلت عبر قرون من الإقصاء والتهميش والتكفير والاضطهاد … ؛ وأُعيد إنتاجها حديثًا بأدوات أكثر حداثة: الإعلام، الخطاب الطائفي المموّه، والمعايير المزدوجة في تقييم السلطة والشرعية … .

اذ تُعاني الجماعات الشيعيّة في العالم الإسلامي من ظاهرة مركّبة يمكن توصيفها بمحاصرةٍ فكريّة وإعلاميّة وسياسيّة ودينية ، لا تنبع فقط من خلافٍ مذهبيٍّ تقليدي فحسب ، بل من بنيةٍ ذهنيّةٍ راسخة ترى في وصول الشيعة إلى الحكم أو امتلاكهم نفوذًا سياسيًّا «خللًا في النظام الطبيعي للأشياء»… ؛  فحين تكون الغلبة السياسيّة أو السلطة بيد الشيعة في إيران أو العراق أو لبنان، أو في أي مكان آخر، تُستدعى لغة الاتهام والتعيير والتجريم الجماعي فورا ، اذ وتظهر هذه المحاصرة بوضوح في نمط من “التعيير” الدوري لهم كلما تحققت لهم غلبة سياسية أو نفوذ في أي مكان … ؛ وكأنّ السياسة محرّمة عليهم، والسلطة ممنوعة عنهم، بينما تُعدّ حقًّا مكتسبًا وسلوكًا مشروعًا لبقيّة المكوّنات دون استثناء…!!

بينما لا يُستخدم هذا المنطق التعميمي الجائر مع غيرهم… ؛  فخطأ سياسي هنا أو هناك، يُحول فوراً إلى حكم عام على “الشيعة” ككل، وكأنهم كتلة واحدة مسؤولة عن أي فعل، بينما تُحفظ المسؤولية الفردية أو الحزبية لبقية الفاعلين من المحسوبين على المكونات والطوائف والديانات الاخرى …!!

نعم , هذا التعميم الانتقائي ليس بريئًا؛ إنه انعكاس لبنية نفسية عميقة ترى في الشيعي “كائنًا سياسيًا غير شرعي”، وتتعامل مع وصوله إلى السلطة بوصفه خروجًا عن النص التاريخي والديني المكتوب له: نص الضحية الدائمة , والمعارض الابدي والخارجي المارق … .

نعم , في كل مرة يبلغ فيها الشيعة موقعًا مؤثرًا في الحكم، سواء في إيران أو العراق أو لبنان أو أي مساحة أخرى من الجغرافيا السياسية، تُستنفَر ماكينة الاتهام والتشكيك والتجريم… ؛ و فجأة تصبح “الطائفية” قضية مركزية، ويُستحضر خطاب “الخطر الشيعي”، وتُختزل أخطاء السياسة – وهي ملازمة لكل تجربة حكم بشرية – في هوية مذهبية كاملة…!!

الأخطر من ذلك أن الخطأ السياسي، حين يصدر عن حكومة ذات غالبية شيعية، لا يُقرأ بوصفه إخفاقًا إداريًا أو قرارًا قابلًا للنقد، بل يتحول إلى “دليل أن الشيعة لا يصلحون للحكم”… ؛  أما حين تخطئ أنظمة أو نخب من مذاهب أو قوميات أخرى، فيُعالج الأمر باعتباره فشلًا فرديًا أو ظرفيًا، دون تعميم أو شيطنة جماعية كما اسلفنا …!!

** الاختزال الفكري: التشيع “النقي” هو تشيع المظلومية الدائمة

ينبع جزء من هذه المعضلة من اختزال فكري مُتعمد للمذهب الشيعي، يجري ترويجه أحياناً حتى داخل بعض الخطابات التي تبدو موضوعية بل حتى داخل الدائرة الشيعية نفسها … ؛  فحين يقال إن “المذهب الشيعي لا يجوز اختزاله بالحكم في إيران والعراق”، في الظاهر يبدو الطرح عقلانيًا، لكنه يحمل في طياته معنىً ضمنيًا خطيرًا: أن التشيّع لا يكون “نقيًا” إلا إذا اقترن بالاضطهاد، وأن حضوره في السلطة يُفسد روايته الروحية… ؛ نعم , يكمن المعنى الضمني الخفي في أن التشيع لا يكون “نقياً” أو “أصيلاً” إلا إذا اختُزل في واقع يضطهده حكم سني طائفي ، ليصبح هذا الاختزال منطقياً – بزعمهم – منسجماً مع الأدبيات الشيعية التاريخية التي تتحدث عن الظلم الذي تعرض له الأئمة وأتباعهم… ؛  وهكذا، يُفرض على الشيعة دور “الضحية الأبدية” كشرط لبقائهم ضمن الصورة النمطية المقبولة للآخر…!!

وكأن المطلوب من الشيعة أن يبقوا أبديًا في موقع المظلوم، انسجامًا – بزعم هؤلاء – مع الأدبيات التي تتحدث عن ما تعرض له الأئمة واتباعهم من ظلم… ؛  وكأن تلك السردية التاريخية تحوّلت، في وعي خصومهم، من توصيف لمعاناة إلى قدر سياسي دائم…!!

وبناءً على هذا المنطق المعوج والفكر المنكوس ، ينبغي – وفق رواية هؤلاء – أن نسلم السلطة في إيران والعراق ولبنان والبحرين  لـ”أشباه الجولاني” … ؛ وعندها  يصبح من “الطبيعي” أن يُطالَب الشيعة في العراق وإيران وغيرهما بالتنازل عن السلطة لإخوانهم السنة …!!

حتى تكتمل الرواية “النبيلة” للتشيع، وتستقيم صورة المظلومية كما يراد لها أن تكون… ؛  فالتشيّع المقبول لديهم هو التشيّع الأعزل، الصامت، المقهور… ؛ هذا الاختزال ليس نظرياً فحسب، بل له تمظهرات عملية واضحة: ففي السعودية، حيث يُختزل المذهب الشيعي في هوامش ضيقة ويواجه تمييزاً مؤسسياً؛  و في البحرين يُقصَون من القرار السياسي رغم كونهم غالبية سكانية ويتم تجنيس الاجانب والغرباء لانهم من ابناء السنة والجماعة ؛ وفي الكويت  يُوسَم بعضهم بالـ “بدون” أحياناً بما تحمله من إقصاءٍ قانونيّ واجتماعيّ , وهم سكان الكويت الاصلاء ؛ وفي مصر والجزائر والمغرب حيث بالكاد يُسمع لهم صوت أو يُرى لهم حضور فاعل في المشهد العام … ؛ وفي افغانستان يحل سبي نساءهم واطفالهم وذبح شيوخهم , وفي سوريا الجولاني  يُختزل الشيعة في خانة الريبة الأمنية …!!

ثم يُقال لهم، بلهجة وعظية ساخرة: يا شيعة العالم، إن أردتم أن تكونوا “شيعة أتقياء” في نظرنا، فبايعوا الأنظمة السنية، واقبلوا بالسجون، وبقمع الشعائر، وبالحرمان من الحريات الدينية، وبالفتات الاقتصادي، وبمناصب هامشية لا تتجاوز رتبة نائب ضابط أو وظيفة شكلية… ؛  عندها فقط تتحقق الفكرة المريحة لهم: أن الشيعة لا يمثلهم أي نظام سياسي، ولا يحق لهم أن يكونوا إلا ضحايا… ؛ فالمظلوميّة هنا لا تُفهم بوصفها تجربة تاريخيّة تُستخلص منها قيم العدل ومقاومة الظلم، بل بوصفها شرطًا هويّاتيًّا ثابتًا: إن خرجتَ منه، خرجتَ من التشيّع نفسه…!!

تاريخيًا، خضع الشيعة لقرون من الإقصاء المنهجي، من الدولة الأموية فالعباسية، مرورًا بالعهد العثماني، وصولًا إلى الدولة الحديثة… ؛ اذ لم يكن يُسمح لهم بالمشاركة المتكافئة في الحكم، ولا ببناء مؤسساتهم، ولا بصياغة سرديتهم الوطنية… ؛  وحين كسرت الثورة الإيرانية عام 1979 هذا النسق التاريخي، وحين وصل شيعة العراق إلى السلطة بعد 2003 عبر صناديق الاقتراع، لم يُتعامل مع الأمر بوصفه تصحيحًا لمسار طويل من التهميش، بل كـ”خلل جيواستراتيجي”…!!

هذه ليست قراءة سياسية فحسب، بل حالة نفسية جمعية تقوم على ما يمكن تسميته بـ”احتكار الشرعية”… ؛  فالسلطة، في المخيال السني السائد، حق طبيعي للآخرين، أما حين يمارسها الشيعة فهي انقلاب على الشريعة الاسلامية بل على النظام الكوني…!!

إنها عقلية ترى أن السياسة حلال على الجميع… إلا الشيعة.

**الآليات الإعلامية والسياسية: صناعة “التهديد” وتجريم الممارسة السياسية

تعمل آليات إعلامية وسياسية منظمة على ترسيخ هذه الصورة و”تجييش” الرأي العام ضد الوجود السياسي الشيعي… ؛  فنجد خطاباً طائفياً صريحاً يتحول أحياناً إلى تحريض مفتوح، كما وثقته تقارير عن خطاب كراهية في السعودية وغيرها  يخيف الشيعة… ؛  وتُستخدم مفردات تحقيرية مثل “الشروق” و”الصفويين” و”الذيول” … الخ ؛ في الخطاب الإعلامي والسياسي لمجموعة من القنوات والجهات.

تهدف هذه الآلية إلى أمرين: أولاً، تجريم الممارسة السياسية الشيعية ذاتها، بغض النظر عن محتواها… ؛  فمجرد تولي الشيعة مناصب سيادية يُصور على أنه خروج عن “النظام الطبيعي” للأمور، وإثبات لتهمة الولاء لخارج حدود الدولة القومية… ؛  ثانياً، إخفاء الإخفاقات الذاتية للأنظمة أو القوى السياسية المنافسة، عبر تحويل أي أزمة أو فشل إلى صراع وجودي مع “المشروع الشيعي”، مما يصرف الانتباه عن المساءلة الحقيقية… .

إن نقد التجارب السياسية الشيعية حق مشروع، بل واجب… ؛  لكن تحويل هذا النقد إلى إدانة مذهبية شاملة هو فعل عنصري وطائفي  مقنّع… ؛  فكما لا يُحاسَب السُنّة كمذهب على أخطاء حكوماتهم، ولا المسيحيون على سياسات دولهم، ولا أي جماعة أخرى، كذلك لا يجوز اختزال مئات الملايين من الشيعة في أداء نظام أو حزب أو حكومة.

نعم , هذه الظاهرة لا تتجلّى فقط في الخطاب الإعلامي، بل في الآليّات التحليليّة نفسها؛ إذ يكفي أن يقع خطأ سياسي هنا أو هناك على يد فاعلٍ شيعي، حتى يُقال: «الشيعة أخطأوا»، في تعميمٍ جائر لا يُستخدم بالحدّة نفسها ولا بالاتّساع ذاته مع الطوائف والقوميّات والمكوّنات الأخرى… ؛  فالأخطاء حين تصدر عن أنظمة أو قوى غير شيعيّة تُفرد لها مقاربات تفصيليّة: هذا خطأ نظام، أو حزب، أو شخص، أو ظرف… ؛  أمّا حين يكون الفاعل شيعيًّا، فإنّ الهويّة المذهبيّة تتحوّل فجأة إلى المتّهم الأوّل، ويُختزل التاريخ والسياسة والاجتماع في صفةٍ واحدة.

القضية ليست دفاعًا عن سلطة بعينها، بل دفاع عن مبدأ: أن الشيعة، كسائر البشر، لهم حق الدولة، وحق السياسة، وحق التجربة، وحق الخطأ.

وإلى أن يُعترف بهذا الحق البديهي، ستبقى المعركة الحقيقية ليست على السلطة، بل على تعريف المواطنة ذاتها، وعلى كسر الصورة النمطية التي تريد للشيعي أن يكون إما شهيدًا أو سجينًا… لا مواطنًا كامل الحقوق .

** البعد النفسي والاجتماعي: إقصاء مزدوج وشعور بالاغتراب

ينتج عن هذه المحاصرة آثار نفسية واجتماعية عميقة على المجتمعات الشيعية… ؛  فهي تخلق حالة من الاغتراب والانقسام الداخلي: بين الانتماء الوطني والهوية المذهبية، وبين الرغبة في المشاركة الكاملة والخوف من وصمها بالخيانة… ؛  كما تعزز لديهم شعوراً مزمناً بالظلم، ليس فقط بسبب التمييز في الفرص، بل بسبب حرمانهم من الحق الأساسي في الخطأ كباقي البشر والسياسيين… ؛  فالشيعة مطالبون بالكمال السياسي، وإلا فإن خطأ أي فرد أو حزب شيعي سينسحب على جميع أبناء الطائفة ويُستخدم لتأكيد الصورة النمطية السلبية.

نعم , ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن ما يجري هو عملية “نزع للإنسانية السياسية”، حيث يُحرَم مكوّن كامل من حقه الطبيعي في الخطأ والصواب، في التجربة والنجاح والفشل… ؛ اذ  يُطلَب من الشيعة أن يكونوا ملائكة في الحكم، بينما يُسمَح لغيرهم بأن يكونوا بشرًا.

أما نفسيًا، فهذه الظاهرة تعبّر عن خوف دفين من تحوّل الضحية إلى فاعل، ومن انتقال الجماعة المهمّشة إلى موقع القرار… ؛  إنه قلق من إعادة توزيع القوة، ومن انهيار الامتيازات التاريخية.

نعم ، يكشف هذا الخطاب المنكوس عن حاجةٍ عميقة لدى بعض الفاعلين إلى تثبيت الشيعة في موقعٍ واحد: موقع «الآخر المظلوم» الذي يُستحضَر بوصفه شاهدًا أخلاقيًّا، لا بوصفه شريكًا سياسيًّا… ؛  فالمظلوميّة حين تتحوّل إلى قيدٍ أبديّ، تُفرغ من بعدها القيمي، وتُستخدم أداة ضبطٍ ومنعٍ للتمكين… ؛  أمّا سياسيًّا، فإنّ إنكار حقّ الشيعة في السلطة، مع الإقرار الضمني بحقّ غيرهم فيها، يُعبّر عن خللٍ جوهري في مفهوم المواطنة والعدالة وتكافؤ الفرص.

** المعيار المزدوج ومستقبل التعايش

تقوم هذه الظاهرة المنكوسة على معيار مزدوج فاضح: فبينما تُعتبر الممارسة السياسية والصراع على السلطة أمراً مشروعاً بل ومحموداً لأي مجموعة أخرى، تُصبح بالنسبة للشيعة جريمة أو شذوذاً أو خروجا عن المألوف … ؛  وهذا الموقف لا يخدم سوى استمرار حالة الانفصام السياسي في المنطقة، ويعيق بناء دول المواطنة الحقيقية القائمة على المساواة.

** الخلاصة

الخلاصة التي تفرض نفسها هي أن الخروج من هذه الدائرة المفرغة يتطلب تفكيكاً جريئاً لهذه المعايير المزدوجة… ؛ اذ  يجب الاعتراف بحق الشيعة، كغيرهم، في ممارسة السياسة، والنجاح فيها، والإخفاق أيضاً، دون أن يُحمل الإخفاق معنى هوياتياً أو مذهبياً. فالمشاركة السياسية الكاملة والمتساوية ليست منّةً يمنحها أحد، بل هي حق أساسي من حقوق المواطنة… ؛  وأي حديث عن مستقبل مستقر للمنطقة يمر حتماً عبر قبول هذا التنوع، واحترام إرادة جميع مكوناتها في تقرير مصيرها، بعيداً عن وصاية التاريخ أو هيمنة الخطاب الطائفي.

إنّ التشيّع، بوصفه مذهبًا دينيًّا وتاريخًا ثقافيًّا واجتماعيًّا، لا يُختزل في دولةٍ ولا في حكم، كما لا يُختزل في سجنٍ أو اضطهاد… ؛  وهو، مثل سائر المذاهب، يمتلك الحقّ الكامل في أن يكون جزءًا من معادلة السلطة حين تختاره الشعوب، وأن يُحاسَب سياسيًّا بوصفه فاعلًا بشريًّا، لا بوصفه «خطيئةً مذهبيّة» تيارا دينيا … ؛  فالعدالة الحقيقيّة لا تقوم على اشتراط المظلوميّة، بل على الاعتراف المتساوي بالحقوق، وفي مقدّمتها الحقّ في السياسة، والسلطة، والمشاركة في صناعة المصير.