مفاوضات عُمان بين حافة الحرب ومنطق الوقت الضائع

خالد الغريباوي

تعود سلطنة عُمان إلى واجهة الدبلوماسية الهادئة بوصفها ساحةً لإدارة واحد من أعقد ملفات الشرق الأوسط وهو ملف العلاقة بين إيران والولايات المتحدة ، فالمفاوضات التي تجري في مسقط لا تُقرأ بوصفها مسارًا نحو تسوية شاملة بقدر ما تمثل محاولة عقلانية لضبط الصراع وتخفيض منسوب المخاطر ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة ، ومن منظور علم السياسة لا يمكن فهم هذه المفاوضات خارج إطار إدارة الأزمات لا حلّها ، إذ تقوم العلاقة بين واشنطن وطهران على بنية صراعية عميقة تجعل من التفاوض تفاوضًا على السلوك لا على الجذور وعلى السقف لا على الهوية السياسية لكل طرف ، وضمن هذا السياق تتحرك دوافع الطرفين وفق منطق البراغماتية القسرية فالولايات المتحدة تسعى إلى تجنب انفجار إقليمي يهدد الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة ويُربك حساباتها السياسية فيما تدرك في الوقت ذاته أن سياسة الضغط الأقصى لم تُنتج تغييرًا جوهريًا في السلوك الإيراني ، بينما تدخل إيران المفاوضات وهي تمتلك أوراق قوة لكنها تعاني من اختناق اقتصادي وضغط اجتماعي يدفعها إلى تثبيت مكاسبها وكسر عزلتها وشراء الوقت في بيئة دولية وإقليمية متحركة ، وتقوم الاستراتيجية التفاوضية للطرفين على الغموض البنّاء عبر تصعيد محسوب وضغوط متبادلة مع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة في إطار تفاوض يجري تحت ظل القوة لا بهدف التنازل بل لتعديل السلوك المرحلي للطرف الآخر ، وفي ضوء هذه المعادلة يمكن دمج ثلاثة مسارات محتملة داخل مسار واحد متدرج يبدأ بتفاهمات مؤقتة وغير معلنة تقوم على تخفيف جزئي للعقوبات مقابل قيود تقنية على البرنامج النووي وضبط إيقاع التوتر الإقليمي وهو المسار الأكثر واقعية في المدى القريب ، وقد يتطور إلى مرحلة إدارة طويلة للصراع تقوم على استمرار التفاوض دون نتائج حاسمة مع تصعيد مضبوط في الساحات الإقليمية بما يمنع الحرب ويُبقي أوراق الضغط قائمة، فيما يظل احتمال انهيار المسار التفاوضي قائمًا في حال وقوع حادث أمني كبير أو تحول مفاجئ في الحسابات السياسية وهو احتمال أقل ترجيحًا لكنه الأعلى كلفة لما قد يفتحه من مواجهة غير مباشرة واسعة ، وتستند الفرضية المركزية التي تجمع هذه السيناريوهات إلى أن واشنطن وطهران لا تسعيان إلى حرب شاملة ولا تمتلكان في الوقت ذاته شروط سلام مستدام لذلك فإن النتيجة المرجحة هي تكريس حالة اللا حرب واللا سلام حيث تُدار الأزمة بدل حلّها ويُعاد إنتاج التوتر ضمن سقوف محسوبة تسمح للطرفين بشراء الوقت وتأجيل الاستحقاقات الكبرى إلى حين تغيّر موازين القوة أو الأولويات الدولية لتبقى مفاوضات عُمان تعبيرًا عن عقلانية الصراع في لحظة حرجة ومحاولة لتدوير الزوايا وتفادي الأسوأ في إقليم لم يعد يحتمل صدمات كبرى ولا يمتلك بعد أدوات تسوية شاملة