تعدد الزوجات بين التشريع الرباني والمشاعر الإنسانية (رؤية متزنة)

​بقلم: حسين شكران العقيلي
​تظل قضية تعدد الزوجات واحدة من أكثر القضايا جدلاً في الفكر الاجتماعي والديني المعاصر، ليس لأنها مجرد نص تشريعي، بل لأنها تقع في منطقة التماس المباشر مع أعمق المشاعر الإنسانية وأكثرها حساسية، وهي مشاعر الحب، الغيرة، والاستقرار الأسري. ولعل السؤال الجوهري الذي يتردد في الأذهان بصمت أو علانية هو كيف أباح الخالق -وهو اللطيف بعباده والخبير بنفوسهم- أمراً قد يسبب جرحاً فطرياً في قلب المرأة؟
إن الإجابة عن هذا التساؤل لا تكمن في تبرير الفعل كغاية في ذاته، بقدر ما تكمن في فهم (فلسفة التشريع) التي تنظر إلى الإنسان ككيان فردي له مشاعره، وضمن منظومة اجتماعية كبرى تتطلب حلولاً واقعية وشاملة.
​عندما نتأمل في طبيعة التشريع الإلهي، نجد أنه لا يتعامل مع الحياة كلوحة وردية مثالية منزهة عن الكبد، بل كواقع بشري يعتريه النقص، والمرض، والمتغيرات الديموغرافية والاجتماعية. فالله تعالى لم يشرع التعدد ليكون سيفاً مسلطاً على مشاعر الزوجة أو وسيلة لكسر خاطرها، بل جعله (صمام أمان) لمواجهة حالات قهرية قد يضيق بها الخناق إذا ما حُصرت في نطاق الزوجة الواحدة. إننا نتحدث هنا عن واقعية التشريع التي واجهت معضلات إنسانية كبرى، مثل اختلال التوازن العددي بين النساء والرجال في أعقاب الحروب، أو حالات العقم، أو ضرورة كفالة الأرامل والأيتام ضمن إطار أسري شرعي يحفظ الحقوق؛ وهي حلول تتوخى حماية كرامة المرأة والمجتمع ككل، بدلاً من ترك الأزمات تتفاقم في ظلال العلاقات غير الشرعية أو الضياع الاجتماعي.
​ومع ذلك، فإن هذا التشريع لم يتجاهل قط فطرة المرأة أو يقلل من شأن ألمها؛ فالغيرة التي تجدها الزوجة في صدرها ليست ذنباً ولا نقصاً في إيمانها، بل هي برهان ساطع على صدق عاطفتها ونبل إخلاصها. وقد اعترف الوجدان الإنساني والأدب العالمي عبر العصور بأن هذه الغيرة جزء لا يتجزأ من تكوين الأنثى السويّ، فهي ليست تمرداً على القدر، بل هي؛ (نداء اختصاص) يعبر عن قيمة الشراكة الوجدانية. لذا جاءت العظمة في اقتران (الإباحة) بـ (العدل المطلق)؛ فالله الذي أباح التعدد هو ذاته الذي وضع شرطاً يقترب من التعجيز في قوله: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة). هذا القيد ليس مجرد نصيحة أخلاقية عابرة، بل هو ميزان دقيق يحمل الرجل مسؤولية جسيمة، تجعل من التعدد عبئاً وحساباً عسيراً أمام الله قبل أن يكون امتيازاً ممارساً، مما يعني أن التشريع يستهدف الرجل المسؤول والمستقيم، لا اللاهث وراء الرغبات.
​إن الجرح الذي قد تشعر به الزوجة في واقعنا المعاصر لا ينبع في كثير من الأحيان من أصل التشريع الرباني، بل من سوء التطبيق البشري وغياب المروءة. فالتعدد في جوهره لم يأتِ ليكون وسيلة للهجر أو الإذلال، بل جاء كاستثناء محكوم بالرحمة والمعروف. وعندما يغيب الوعي المقاصدي، ويتحول التعدد إلى فعل أناني يتجاهل سنوات العشرة والتضحية، هنا يقع الظلم الذي حرمه الله بوضوح. إن الإسلام الذي كفل للمرأة حقها في صيانة كرامتها، وحقها في طلب الفراق إذا وقع عليها الضرر، هو إسلام يحترم سيادتها النفسية ولا يقبل أن تُهان تحت غطاء الدين.
​في نهاية المطاف، يجب أن نقرأ التعدد كجزء من منظومة تشريعية شمولية تفضل الحلول الواقعية، وإن كانت مشوبة بمرارة الغيرة، على الفوضى الأخلاقية أو التفكك الاجتماعي. إن الله تعالى الذي خلق المرأة يعلم خبايا قلبها وتفاصيل لوعتها، ولكنه كإله شرع لما فيه صلاح المجموع واستقامة الكون، تاركاً باب التقوى والوفاء مفتوحاً للرجل ليثبت أن هذا التشريع هو وسيلة للبناء والاحتواء لا للهدم والإقصاء. إنها رؤية تتجاوز الأنانية الفردية الضيقة لتنظر إلى مصلحة الإنسان في كليته، حيث تلتقي الحكمة الإلهية بالواقعية البشرية في توازن دقيق يضمن بقاء المجتمع متماسكاً وقوياً.