رياض سعد
مقدمة : الوقائع الميدانية: مشهد طائفي ممنهج
تشهد سوريا، ولا سيما محافظة إدلب وغيرها ، تصاعدًا مقلقًا في الخطاب الطائفي المعادي للشيعة، وصل في حالات عديدة إلى مستوى العلنية في الفضاء العام عبر ملصقات ولوحات وشعارات تُرفع في الشوارع والساحات… ؛ تحمل خطاباً كراهياً يصف الشيعة بـ”أعداء الإسلام” … ؛ و هذا الخطاب، الذي يصف الشيعة بأوصاف تكفيرية ويقدّمهم بوصفهم “أعداء الإسلام”، لا يمكن فهمه بوصفه تعبيرًا عفويًا معزولًا، بل هو نتاج منظومة متشابكة من التعبئة الإعلامية، والتحريض الديني المسَيَّس، والاستقطاب الإقليمي... ؛ في ظاهرة تعكس تجييشاً طائفياً ممنهجاً… ؛ و هذه الظاهرة لا تنبع فقط من جماعات متطرفة، بل تمتد إلى قواعد شعبية وعشائرية، مما يُعمق الانقسام المجتمعي ويُذكي نيران الفتنة الطائفية .
هذا الخطاب هو نتاج مشروع تكفيري منظَّم تقوده جماعات مسلحة متطرفة، في مقدمتها الفصائل المرتبطة بهيئة تحرير الشام وبقايا تنظيمات القاعدة وداعش، إلى جانب شبكات دعوية وإعلامية تعمل بشكل ممنهج على شيطنة الشيعة وتحويلهم إلى “عدو عقائدي”.
وقد وصلت صور من داخل “سوريا الاموية الجديدة”، وتحديدًا من محافظة إدلب… ؛ العبارة المكتوبة – الشيعة اعداء الاسلام – باتت تتكرر في زوايا متعددة من المدينة، وقد وردتنا عبر البريد من أحد السكان هناك… ؛ والسؤال المؤلم الذي يفرض نفسه:
كيف يمكن للعراقيين أن يتعايشوا مع جيران يُكفّرونهم ويُحلّلون قتالهم وسبي نساءهم ؟!
**الجذور الاجتماعية والدينية للظاهرة
لا تنشأ الكراهية الطائفية من فراغ… ؛ فهي تُزرَع عبر خطاب ديني انتقائي يُختزل فيه الإسلام إلى سردية إقصائية، ويُستدعى فيه التاريخ خارج سياقه، وتُحوَّل الخلافات المذهبية إلى أدوات تعبئة سياسية… ؛ ففي بيئات أنهكتها الحرب والفقر والنزوح، يصبح هذا الخطاب أكثر قابلية للانتشار، خاصة حين يترافق مع سلطة الأمر الواقع، ومنابر إعلامية موجَّهة، وشبكات تمويل عابرة للحدود.
النتيجة ليست مجرد رأي متشدد، بل إعادة تشكيل للوعي الجمعي لدى شرائح شعبية وعشائرية، بحيث يُعاد تعريف “الآخر” بوصفه خطرًا وجوديًا، لا شريكًا في الوطن أو الجوار أو شقيقا قوميا ودينيا ... ؛ اذ يتم استغلال النسيج الاجتماعي والعشائري لنشر الخطاب الطائفي العدواني وجعله ظاهرة مرئية في الفضاء العام .
** البعد السياسي والإقليمي
يتجاوز هذا التحريض حدوده المحلية ليغدو جزءًا من صراع نفوذ إقليمي أوسع… ؛ فالتجييش الطائفي يُستخدم أداة ضغط، وورقة تفاوض، ووسيلة لإدامة الاستقطاب بين المجتمعات. ومن أخطر نتائجه أنه يفتح الباب أمام مواجهات محتملة بالوكالة، ويُعمّق الشروخ بين الشعوب، ويحوّل المنطقة إلى ساحة صراعات دائمة بدل أن تكون فضاءً للتكامل...
إن تصوير الصراع بوصفه مواجهة مذهبية كبرى لا يخدم سوى المشاريع التي تعيش على الانقسام، وتستثمر في الفوضى، وتُضعف الدول من الداخل عبر تفتيت نسيجها الاجتماعي.
ومن الواضح ان تحويل الصراع إلى مواجهة مذهبية يخدم فقط من يريد شرق أوسط ممزقًا، ضعيفًا، مستنزفًا.
** حقيقة هذه الجماعات التكفيرية والفصائل والحركات السلفية بلا تزيين
الفصائل المسيطرة في إدلب ليست “معارضة وطنية” بالمعنى السياسي، بل هي في جوهرها تكوينات عقائدية تكفيرية تقوم على: إقصاء كل من يخالفها مذهبيًا أو فكريًا... ؛ اذ تبني فقه دموي يعتبر الشيعة مرتدين أو مشركين.
وتعمل على إعادة إنتاج أدبيات القاعدة وداعش بلغة محلية مخففة أحيانًا.
وتعمل على استخدام المدنيين دروعًا اجتماعية، وتجنيد القواعد الشعبية عبر التخويف الديني وغسل الأدمغة.
هذه الجماعات لا تخفي عداءها للشيعة، بل تعتبره جزءًا من هويتها… ؛ و خطب المساجد، المناهج غير الرسمية، الإعلام المحلي، وحتى الشعارات في الطرقات، كلها تدور حول فكرة واحدة: ترسيخ الكراهية وتحويلها إلى استعداد نفسي لمواجهة عسكرية مستقبلية محتملة .
نعم , هذه الجماعات لا تخفي عداءها، بل تعلنه كجزء من عقيدتها:
1. تكفير صريح: تصنيف الشيعة كـ”روافض” و”كفار” في المنشورات والخطب.
2. تحليل الدم والمال: إصدار فتاوى بجواز قتل الشيعة واستباحة أموالهم.
3. تدمير المقدسات: تهديد وتدمير الأضرحة والمقامات الشيعية والعلوية.
4. تعليم متطرف: تضمين المناهج التعليمية مفاهيم تكفيرية ضد الشيعة.
**الأهداف الإقليمية والمشاريع الخارجية
يبدو أن هذا التوجيه السوري الطائفي يهدف إلى:
01 التجهيز لمواجهات محتملة مع قوى إقليمية شيعية مؤثرة، كالأغلبية العراقية أو حزب الله في لبنان.
2. تمزيق النسيج الاجتماعي بين الشعبين السوري والعراقي، وإضعاف أي احتمال لتضامن عراقي-سوري حقيقي.
3. خدمة أجندات إقليمية، لا سيما المشروع التركي-القطري في المنطقة، والذي يجد في التقسيم الطائفي أداة لنفوذه، كما يخدم بالمحصلة المشروع الصهيوني الرامي إلى إضعاف الأمتين العربية والإسلامية.
نعم ؛ هذا التحريض ليس ظاهرة محلية بل يخدم:
• المشروع التركي: استخدام الإسلام السياسي المتطرف كأداة للنفوذ، ودعم جماعات تتبنى التكفير كجزء من استراتيجية “الفوضى الخلاقة”.
• المشروع القطري: تمويل وسائل إعلام وخطباء يروجون للخطاب الطائفي.
• المشروع الصهيوني: تحقيق الهدف الإسرائيلي بتفتيت المجتمعات العربية والإسلامية عبر إشعال حروب طائفية.
**تداعيات الظاهرة على العراق والأمة العراقية والمنطقة
بالنسبة للعراق، فإن هذا الخطاب لا يُستهدف به مكوّن بعينه فحسب، بل يُمسّ به الاستقرار الوطني كله… ؛ فحين يُشيطن المكون الاكبر من الشعب على أساس مذهبي، يُفتح الباب أمام دورات جديدة من العنف الرمزي والمادي، وتُهدَّد علاقات الجوار، وتُستنزف طاقات الدولة في إدارة الأزمات بدل توجيهها للبناء والتنمية.
كما أن تعميم الكراهية يضر بالقضية السورية نفسها، إذ يُقوّض أي أفق لحل سياسي جامع، ويُقصي شرائح واسعة من السوريين، ويحوّل الواقع السوري إلى صراع هويات ومكونات محلية وخارجية .
** الاستهداف الحقيقي للعراق
العراق ليس بعيدًا عن هذا المشهد كما اسلفنا … ؛ فالعراقيون يُقدَّمون في أدبيات هذه الجماعات بوصفهم امتدادًا “للعدو الشيعي”، ويُصوَّر العراق ككيان يجب إضعافه ومحاصرته معنويًا قبل أي مواجهة محتملة.
هذا ليس تحليلًا نظريًا؛ بل ينسجم مع تاريخ هذه التنظيمات التي قاتلت في العراق، ونفذت تفجيرات جماعية، واستهدفت المدنيين والأسواق والمساجد، ثم أعادت التموضع في سوريا بعد هزيمتها.
بعبارة أوضح:
العصابات التكفيرية في إدلب وسوريا تحمل حقدًا تاريخيًا على الشيعة والعراقيين، ولم تتخلَّ يومًا عن مشروعها، بل غيّرت أدواته فقط.
** ما المطلوب؟
يمثل هذا الخطاب اعتداءً صريحاً على العراق وشعبه، ويستدعي:
- حزماً وطنياً عراقياً في الرد الدبلوماسي والسياسي، والضغط لوقف هذا التحريض.
- إعادة تقييم العلاقة مع العمالة الوافدة، مع التمييز بين السوريين عامة – الذين تربطهم بالعراق علاقات تاريخية – وبين العناصر المتورطة في المشروع الطائفي… ؛ و يمكن للعراق أن يكون ملاذاً للأقليات والمضطهدين السوريين، بل ودعمهم كقوة مضادة للتعصب ومعارضة للنظام السوري الارهابي القائم .
- تعزيز الوحدة الوطنية العراقية كحصانة ضد محاولات الاختراق الطائفي، والتمسك بالخطاب الجامع الذي يحترم التنوع.
فالمطلوب ليس ردود فعل انفعالية، ولا سياسات عقابية جماعية، بل مقاربة عقلانية تقوم على:
مواجهة خطاب الكراهية قانونيًا وإعلاميًا، وتجفيف منابعه، ومحاسبة المحرّضين أياً كانوا.
تعزيز خطاب ديني وطني جامع يعيد الاعتبار لقيم العيش المشترك، ويحاصر التكفير والتخوين.
دعم مسارات الحوار الإقليمي بدل الاستثمار في الاستقطاب، لأن أمن العراق مرتبط مباشرة بأمن جواره.
التمييز بين الشعوب والجماعات المتطرفة، وعدم تحميل المدنيين وزر مشاريع سياسية أو عسكرية لا قرار لهم فيها.
التركيز على حماية الأقليات وكل الفئات المهددة عبر الأطر الدولية والإنسانية، لا عبر عسكرة المأساة.
نعم , الحل ليس في الطائفية المضادة، بل في:
1. فضح المشروع التكفيري وأجنداته الخارجية.
2. دعم القوى السورية المعتدلة التي ترفض التطرف بكافة أشكاله.
3. تعزيز الوحدة الوطنية العراقية كحصانة ضد محاولات الاختراق.
4. كشف التحالفات غير المقدسة بين أنظمة إقليمية وجماعات متطرفة.
**خاتمة
إن الكتابات الجدارية في إدلب ليست مجرد حبر على جدار، بل إعلان سياسي وعقائدي… ؛ إنها رسالة تقول بوضوح إن التطرف لم يُهزم فكريًا، وإن الجماعات التكفيرية ما تزال تعمل على صناعة جيل يرى في الكراهية دينًا، وفي الإقصاء عقيدة.
مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالمجاملات ولا بالمواربة، بل بتسميتها كما هي:
مشروع تكفيري عابر للحدود، يعادي الشيعة علنًا، ويهدد أمن سوريا والعراق والمنطقة بأسرها.
والطريق الوحيد لإفشاله هو فضحه، وتجفيف منابعه الفكرية والمالية، ودعم خطاب وطني جامع، والتمييز بوضوح بين الشعوب التي دفعت ثمن التطرف، وبين العصابات التي تتغذى عليه.
فلا مستقبل للمنطقة بمنطق “نحن” ضد “هم”، ولا خلاص إلا بإعادة بناء الثقة بين الشعوب، وتجفيف منابع التطرف، ورفض تحويل الدين إلى وقود للحروب.
العراق الذي دفع ثمن التطرف بحياة أبنائه، لن يسمح بتصدير هذه السموم إليه مرة أخرى، وسيبقى صامداً أمام مشاريع التفتيت الطائفي التي تخدم في النهاية الأجندة الصهيونية والمصالح الإقليمية المتصارعة على جثث الشعوب.