الرجل الذي كان يسافر ليعود إلى نفسه

رياض سعد

منذ أن قرّر محمود أن يجعل من الترحال مهنته السرّية، ومن السفر هويته المفضّلة، التصقت به عادة غريبة، تشبه ظلًّا طويلًا لا ينفصل عن صاحبه: كان، كلما وطئت قدماه مدينة جديدة، يبدأ بالبحث عن المعنى قبل المكان، وعن الصدى قبل الصوت، وعن ملامح الروح المختبئة خلف واجهات الشوارع.

كان يقول في سرّه: «المدن لا تُزار، بل يصغى إليها».

نعم , كان محمود يعتقد أن السفر مهنة للروح، لا للجسد.

منذ سنوات، وهو يتنقّل بين المدن كما يتنقّل الفكر بين الأسئلة… ؛  لا يحمل معه سوى حقيبة صغيرة، ودفتر ملاحظات، وقناعة قديمة تقول إن الإنسان لا يذهب إلى الأمكنة، بل الأمكنة هي التي تمرّ عبره.

كل مدينة كانت امتحانًا جديدًا لمعنى الوجود.

حين تطأ قدماه أرضًا جديدة، لا يبحث أولًا عن الفنادق أو المعالم السياحية، بل عن الإيقاع الخفي للحياة: طريقة مشي الناس، صمت الأرصفة، نبرة الباعة، وانكسار الضوء على النوافذ. كان يرى في التفاصيل الصغيرة مرايا كبرى، ويؤمن أن الحقيقة لا تظهر في الساحات الواسعة، بل في الزوايا المنسية.

وهو يعلم أن السفر ليس عبوراً للمسافات، بل اغتراقاً لحجاب الزمن الذاتي… ؛  كان يرحل كما يرحل القمر في مرايا البحيرات: كل خطوة تكرّس انعكاساً جديداً، وكل وصول يُشبه فتحة في جدار الحلم… ؛  رافقته في حِلّه وترحاله عادةٌ وجودية: أن يبحث في كل بلد عن جسد الأرض أولاً، ثم عن روح السماء المتسربة بين شقوقها.

كان محمود يعرف أن السفر ليس انتقالاً بين الأماكن، بل هجرة بين الذوات… ؛  كل رحلة كانت انتحاراً رمزياً لشخصيته القديمة، وولادة مشوّهة لأخرى لم تكتمل بعد.

كان يمشي طويلًا بلا وجهة، كأن الطريق هي الغاية…

في البدء، كان يقترب من ضجيج الحياة: المقاهي، الأزقة، وجوه العابرين، روائح الخبز المختلطة بعطر الغريبات، ثم ينسحب قليلًا نحو الصمت، كمن يمارس طقسًا قديمًا لا يعرف مصدره… ؛  يراقب حركة الأسواق، ارتباك الإشارات الضوئية، خطوات العشّاق المترددة، ونوافذ البيوت التي تشبه عيونًا نصف نائمة.

يدخل المقاهي العشوائية، يجلس قرب النوافذ، يراقب المارّة كما يراقب فيلسوفٌ حركة الأفكار… ؛  أحيانًا يكتب جملة ثم يمزّقها، وأحيانًا يحدّق في الفراغ كأن الفراغ يحدّق فيه.

وكان يقول لنفسه:

«نحن لا نعيش الأعمار، بل نعيش اللحظات الفارقة والاستثنائية والتي تذهب معنا الى اللحد .»

لم يكن يكره الناس، لكنه لم يكن ينتمي إليهم بالكامل… ؛ كان بينهم، وخارجهم في آن واحد.

كان يهبط في المدينة الغريبة كطائر الليل الحامل بذور النهم… ؛  يبدأ بملذات الجسد كمن يذوق قشر الفاكهة قبل اللب: خموراً تلهب الحنجرة كـ “نبيذ الياقوت الاحمر ” الذي وصفه بودلير، ونساءً يمررن في غرفة ظله كأطياف لوحات “غويا”… ؛  ثم، بعد أن تهدأ نار الأحشاء، ينقلب إلى صائدٍ لجوهر الأشياء… ؛  يتجول بين الآثار كـ “حارس للذاكرة الكونية”، يراقب نبض الشوارع بتشكك “كافكا” وحنين “بروست”… ؛  كان يفتش عن الـ “شاردة والواردة” – ليس للمتعة وحدها، بل كمن يلملم شظايا مرآة مكسورة عساها تعكس ذاتاً ضائعة… ؛  يقول نيتشه: “كل شيء عميق يحب القناع”. فكان محمود ينزع أقنعة الأمكنة، علّه يمسك بتلابيب المغامرة العاطفية، أو صفقة مصيرية، أو حكمة عابرة تختلسها الأرواح من شفاه الغرباء.

لم يكن سائحًا عاديًا؛ كان أقرب إلى حارس ليل، أو كاتب روايات متخفٍ، أو محقّق يبحث عن تفاصيل لا تكتبها الخرائط. يجمع الشذرات الصغيرة: ابتسامة بائع، تنهيدة امرأة عجوز عند محطة الحافلات، نبرة سائق أجرة يحكي عن الغلاء والحب في الجملة نفسها.

وكان يكره الرتابة كما يُكره القيد.

التكرار عنده موتٌ بطيء.

في كل مدينة، كان يختبر طقوسه الخاصة: يمشي طويلًا بلا وجهة، يدخل مكتبة عشوائية، يجلس في حانة مهجورة أو مقهى شعبي، يدوّن ملاحظات مبعثرة، ثم يرفع رأسه فجأة كأن فكرة هربت منه… ؛  كان يبحث عن مغامرة شعورية، عن صدفة إنسانية، عن جملة تصلح لأن تكون بداية رواية.

وكانت النساء يمررن في حياته كفصول سريعة: نظرات عابرة، حديث قصير عند مفترق طرق، ضحكة تذوب في زحام المساء… ؛  لم يكن يحتفظ منهن إلا بالظلّ، كأنهن أطياف تعلّمه أن الجمال مؤقت، وأن اللقاءات غالبًا ما تكون رسائل لا تكتمل.

النساء مررن في حياته كإشارات ضوئية: ومضات جمال، أحاديث قصيرة، نظرات تنتهي قبل أن تبدأ… ؛  لم يكن يبحث عن امتلاك أحد، بل عن ذلك الارتعاش الخفيف الذي يحدث حين يلتقي كائنان في نقطة عابرة من الزمن في جوف الليل .

أما الأصدقاء المؤقتون—سائق الأجرة، النادل، المسافر الغريب—فكانوا بالنسبة إليه فصولًا صغيرة من كتاب العالم… ؛  كل واحد منهم يحمل حكمة غير مكتوبة، وكل وداع يعلّمه أن العلاقات، مثل المدن، لا تُحفظ كاملة في الذاكرة.

وحين يقترب موعد الرحيل، تبدأ المرحلة الأشد قسوة...

يقف أمام نافذة غرفته في الفندق أو في الفيلا أو السكن ، المدينة تحت قدميه مثل كائن مضيء يتنفس… ؛  أضواء المساء تتشابك مع حركة البشر، والسماء تذوب ببطء في الإسفلت… ؛  في يده كأس صغيرة من النبيذ ، وفي الأخرى سيجارة(جروت) تحترق بهدوء، فيختلط الدخان بضباب الفجر، كأن الهواء نفسه صار ذاكرة.

هناك، في تلك اللحظة الهشة بين البقاء والمغادرة، يعيد محمود عرض شريط الرحلة:

يتذكّر الحديث الطويل مع صديق أجنبي عن معنى الوطن.

يتذكّر كرم سائق الأجرة الذي رفض الأجرة واكتفى بالدعاء.

يتذكّر فتاة مرّت أمامه كالبرق، فتركته معلّقًا بين الرغبة والتأمل.

يتذكّر شارعًا ضيقًا علّمه أن المدن تشبه القلوب: لها مداخل كثيرة، لكن بابًا واحدًا فقط يُفضي إلى الداخل.

كان يقول لنفسه:

«نحن لا نسافر لنغيّر الأمكنة، بل لنبدّل طبقات أرواحنا».

ثم يضحك بخفة، لأن الحكمة تأتي غالبًا متأخرة.

وفي تلك الساعات، يصبح الزمن مادة لينة، وتتحوّل الذكريات إلى مشاهد سريالية: وجوه تتراكب، أصوات تتداخل، وأحداث تتماهى حتى لا يعود يعرف إن كان عاشها فعلًا أم اخترعها لاحقًا.

وحين يبدأ في ترتيب حقيبته، يكتشف دائمًا أنه لم يجمع سوى أشياء قليلة: بعض الملابس، كتبًا اشتراها بدافع الحنين، وهدايا صغيرة لا يعرف لمن ستكون.

أما الباقي—الروائح، النظرات، الحكايات الناقصة، الانكسارات الخفيفة—فيتركه في الهواء.

كان محمود يدرك، في أعماقه، أنه لا يعود من السفر كما ذهب إليه.

كل رحلة تقتطع جزءًا منه، وتضيف آخر.

وكل مدينة تترك ندبة شفافة في قلبه.

لهذا، حين يغادر، لا يلوّح للطرقات، بل يهمس لها:

«شكرًا لأنك لم تكوني كما توقعتك…

وشكرًا لأنك ذكّرتني أن الإنسان، في النهاية،

ليس سوى مسافرٍ يحمل بيته في صدره.»

لكن هنا، يدخل راوٍ آخر.

أنا.

كنتُ في الغرفة المجاورة لمحمود في ذلك الفندق… ؛  لم أكن أعرفه، ولم نتبادل سوى تحية عابرة في المصعد… ؛  ومع ذلك، شدّني صمته… ؛  كان يحمل في وجهه تعبًا لا تصنعه المسافات وحدها.

في تلك الليلة، لم أستطع النوم.

سمعته يفتح النافذة، ثم يسعل بخفة، ثم يسود الصمت.

لا أعرف لماذا خرجت إلى الممر، ولا لماذا توقفت أمام بابه… ؛  ربما لأن الوحدة لها صوت لا يسمعه إلا الغرباء… ؛  وضعت أذني قرب الخشب البارد، فسمعت حركة خفيفة، كأن أحدهم يرتّب حقائبه أو أفكاره.

عدت إلى غرفتي وأنا أفكر: كم شخصًا يشبه محمود؟

وكم محمود يسكن داخل كل واحد منا؟

في الصباح، نزلت إلى بهو الفندق مبكرًا… ؛  رأيت حقيبته قرب مكتب الاستقبال، لكنني لم أره… ؛  سألت صديقي صاحب الفندق عنه، فقال إنه غادر بعد انقضاء الفجر.

ترك وراءه كأسًا فارغة في الغرفة.

ودفترًا صغيرًا نسيه على الطاولة.

فتحته بدافع فضول لا أخفيه.

لم أجد سوى جملة واحدة مكتوبة بخط متردد:

«أنا لا أبحث عن مكان أصل إليه…أنا أبحث عن نفسي التي تسبقني بخطوة.»

أغلقت الدفتر.

ومنذ ذلك اليوم، كلما سافرتُ إلى مدينة جديدة،

ووقفتُ أمام نافذة فندق … ؛ أشعر أن محمود يقف إلى جانبي—ليس كشخص، بل كفكرة.

وأحيانًا، حين يختلط دخان الصباح بضوء الشوارع، أدرك فجأة أنني أنا من كان يسافر طوال الوقت، وأن محمود لم يكن سوى ظلي.