إشكالية تحقق العدالة و المساواة:

إشكاليّة تحقّق العدالة و آلمساواة :
يتناول هذا المقال بالفحص والتّحليل العلاقة القائمة بين الحرّية والمساواة باعتبارها مسألة ظلّت تشغل إهتمامات الفلسفة العمليّة من خلال تغطيتها لمساحة تقاطع واضحة بين الفلسفتين؛ السّياسيّة والاجتماعية وفلسفتي الأخلاق والحقّ.
يكمن الغرض من التّساؤل حول التعالق بين هذين المبدأين المؤسّسين لأيّ نظريّة في العدالة بالدّرجة الأولى في فهم هذه الصّلة الإشكاليّة التي تجمع بينهما؛ وذلك من خلال عرض مختلف أشكال العلاقة التي تربط هذين المفهومين باعتماد مقاربة تحليليّة نقديّة تَكْشفُ حجج الآراء المتعارضة المتعلّقة بهذا الموضوع، وتهدف إلى تَتبِّعُ بعض الهفوات الخاصّة بكلّ أطروحة. كما يسعى في مرحلة ثانية ومن خلال عمل تركيبيّ، إلى الوصول إلى رسم ملمح فلسفي قد يشكّل السّبيل الملائم لتفادي التّنافر والتّوتر في ارتباط الحرّية بالمساواة، بما يساهم في بلورة مقترح يسمح بتوفير رؤية قادرة على بلوغ وتحقق مبدأ الحياة الجيّدة التي يتناغم فيها الخير والعدل.
انشغلت البشريّة على امتداد تاريخها مذ وطأ آدم(ع) قدميه على الأرض, و مقتل هابيل على يد قابيل .. بقضيّة العدالة و المساواة وسؤال تحقّقها، إذ كانت وما تزال مطلبا للشّعوب ألمستضعفة وهمًّا للأنظمة المتشبثة بآلحكم, لإستغفال الناس لسرقتهم, لذلك انكبّ المفكرون والمصلحون والسّياسيون وغيرهم على التنظير فيها, وعلى الرغم من تنوّع نظريّات العدالة واختلاف مرجعياتها، فإنّ المتأمّل فيها يلاحظ أنّها تعود إلى مبادئ محدّدة كآلعرفان والفضيلة والرّفاه والحرّية والمساواة.
ولا تخلو إحدى هذه النّظريات من أحد المبدأين الأخيرين – أيّ الحرّية والمساواة – أو هما معا، فنجد من يجزم بإمكانية تحديد العدالة في كونها كلّ القواعد الضّروريّة لضمان عيش مشترك يجمع أفرادا أحراراً ومتساوين(1).
وبما أنّ البشريّة قد حقّقت مع حقوق الإنسان والحريّة والمساواة في الفرص، خطوات تعتبر خجولة إلى الأمام؛ فإنّ هذين المبدأين المذكورين آنفا يعدّان اليوم من أهم ما حقّقته الحضارة الإنسانيّة عموماً، والدّليل على ذلك استحالة بلوغ مجتمع ما درجات الرّقي والتّحضّر في ظلّ غياب إحداهما.
هذه الأهمّية البالغة لكلتيهما أكّدها “هيغل” عندما أقرّ بأنّهما المقولتان البسيطتان اللّتان نختزل فيهما غالبا ما ينبغي أن يكون التحديد الأساسي والهدف النّهائي للدّستور ونتائجه ويستدرك بأنّه على الرّغم من صحّة ذلك، فإنّ عيبهما هو تجريدهما التّام.
والنّتيجة أنّه إذا تمسّكنا بهذا الشّكل التجريدي، فإنّ هذه المبادئ إمّا أنّها تمنع تحقّق الطّابع الملموس للدّولة أيّ صياغتها في دســـتور وحكومة عامة، أو أنّها تؤدّي إلى تدميره(2).
يبدو جليّا إذن أنّ هذين المفهومين وإن ظلاّ محطّ إعتبار و قيمة كبرى لدى الجماعات البشريّة، فإنّهما يطرحان مع ذلك أسئلة مقلقة فيما يرتبط بتعدّد دلالتيهما وما يخلقه من نقاشات حادّة، فضلا عن السّجال المتعلّق بحضورهما معا أو بحضور إحداهما وغياب الأخرى. نستحضر في هذا السّياق، كيف توجّهت الحركات الثّوريّة التي رفعت شعار العدالة منذ بداية القرن العشرين باندفاع شديد نحو وضع الدّعوة إلى المساواة الفعليّة على رأس مطالبها، و في المقابل تشكّلت تيّارات وآراء معاكسة للدّفاع عن إيلاء الحرّية الأهمّية القصوى، الشّيء الذي يضفي على العلاقة بينهما طابعا إشكاليّا عميقا إلى درجة صار فيها التّحدّي الفلسفي الكبير يتمثّل اليوم في القدرة على صياغة معادلات تجمع بين الحرّية ومبدأ المساواة، بمعناه الذي يمكن تحقيقه في المجتمعات المعاصرة من خلال الإنصاف في توزيع الخيرات والمنافع(3).
لكلّ هذا، وانخراطا في الهمّ الفلسفي الذي يجمع بين النّظريّة و (البراكسيس)؛ يسعى مقالنا هذا البحث عن الصّيغة الأنسب لتصوّرٍ يوفّر إمكانيّة ضمان تكامل الحرّية و المساواة بما يخدم بلوغ مجتمع عادل تكون فيه حياة الأفراد جيّدة, وفي هذا السّياق نهدف لفحص الإشكالية المتمثّلة في أنه إذا كانت الـــعدالة تشترط -على الأقل-الحرّية والمساواة؛ فإنّ السّؤال بخصوص طبيعة العلاقة بين هذين المبدأين وأهمّية كلّ منهما يطرح نفسه بإلحاح، لما لذلك من آثار ونتائج مباشرة ومتباينة على أيّ تصــــوّر للعدالة, آمل أن يحالفني الحظ و الظروف لبحث هذا الموضوع في دراسة موسعة إن شاء الله قريباً .
عزيز حميد مجيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) عزمي بشارة، “مقدّمة” ضمن كتاب محمّد جبرون وآخرون: ما العدالة؟ معالجات في السّياق العربي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السّياسات، الدّوحة 2014، ص54.(2)G.W.F. Hegel, Hegel’s Philosophy of Mind, translated from the 1830 Edition, together with the Zusätze by William Wallace and A.V. Miller, revised with an Introduction by M. J. INWOOD, (Oxford: Oxford University Press, 2007), p 23
(3) محمد جبرون وآخرون: [2014]، مرجع سباق، ص14.