في ديالى لا تموت الأرض… بل تُنبت رغم الجراح

إيهاب مقبل

تُعدّ محافظة ديالى واحدة من أكثر محافظات العراق غنىً بالتاريخ والطبيعة والإنسان، رغم ما مرّت به من تحولات قاسية. تقع شرق البلاد، على تخوم الحدود مع إيران، وتشكل حلقة وصل جغرافية وثقافية بين وسط العراق وشرقه. ليست ديالى مجرد محافظة زراعية أو مساحة حدودية، بل هي أرض ذاكرة، شهدت تعاقب حضارات، وتداخل هويات، وصراع الإنسان مع الجغرافيا والسياسة معًا.

منذ أقدم العصور، شكّلت ديالى مجالًا حيويًا للاستقرار البشري، بفضل أنهارها وأراضيها الخصبة، فكانت موطنًا للقرى والبساتين، وملتقى للتجارة والهجرة، وفضاءً مفتوحًا للتنوع الاجتماعي والثقافي.

أصل التسمية والجذور التاريخية
يرتبط اسم ديالى ارتباطًا مباشرًا بنهر ديالى، أحد أهم روافد نهر دجلة، والذي شكّل عبر العصور الأساس الطبيعي لاستقرار الإنسان في المنطقة. ويُنظر إلى اسم ديالى بوصفه ذا أصول عربية، ويُستخدم في المقام الأول كاسم مؤنث، يحمل دلالات رمزية مرتبطة بخصائص النهر الواهبة للحياة، مثل الوفرة والخصوبة والحيوية. ولم يكن النهر مجرد عنصر جغرافي، بل كان قلبًا نابضًا للحياة الزراعية والاجتماعية، ومصدرًا دائمًا للعطاء، ما جعل الاسم ذاته يعكس هوية المكان وارتباطه العميق بالطبيعة.

وقد عُرف نهر ديالى في النصوص القديمة بأسماء متعددة تعود إلى اللغات السومرية والأكدية والفارسية، ما يشير إلى قدم الاستيطان البشري في المنطقة وأهميتها الحضارية ضمن مجال وادي الرافدين. كما مرّت ديالى عبر العصور كجزء من الطرق التجارية ومسارات الجيوش، واحتضنت مستوطنات تعود إلى ما قبل الإسلام، قبل أن تصبح في العهد الإسلامي منطقة زراعية واستراتيجية مهمة لقربها من بغداد. ويتميّز اسم ديالى بفرادته اللغوية، إذ لا تُشتق منه أسماء شائعة أخرى، وهو ما يمنحه خصوصية دلالية تعكس تميّز المحافظة نفسها في الذاكرة العراقية.

نهر ديالى: شريان الحياة والذاكرة
يشكّل نهر ديالى العمود الفقري للمحافظة، فهو ليس مجرد مجرى مائي، بل مصدر الحياة والاستقرار. على ضفافه نشأت القرى، وامتدت البساتين، وتكوّنت علاقة يومية بين الإنسان والماء. ومع تعاقب السنين، أصبح النهر رمزًا للخصب، لكنه أيضًا شاهد على الإهمال وتراجع الموارد المائية، ما انعكس على حياة السكان والزراعة معًا.

الزراعة: هوية ديالى الخضراء
اشتهرت ديالى منذ عقود طويلة بزراعة الحمضيات، حتى لُقّبت بـ«سلة برتقال العراق». إلى جانب البرتقال، تنتج المحافظة الليمون والرمان والتمور، إضافة إلى القمح والشعير والخضروات الموسمية. الزراعة هنا ليست نشاطًا اقتصاديًا فحسب، بل نمط حياة متوارث، ارتبط بالعائلة والأرض والماء، رغم ما تعرّضت له هذه الهوية من ضغوط بسبب شح المياه والتغيرات المناخية.

الحياة الحيوانية والطبيعة المحلية
تضم ديالى تنوعًا حيوانيًا يرتبط ببيئتها الزراعية والنهرية. تنتشر الطيور المحلية والمهاجرة في البساتين وضفاف الأنهار، كما تعيش في المناطق الريفية أنواع من الأرانب البرية والطيور الصغيرة والزواحف، إضافة إلى تربية الأبقار والأغنام التي تشكل جزءًا من الاقتصاد الريفي. هذا التنوع يعكس علاقة قديمة بين الإنسان والطبيعة، علاقة باتت اليوم مهددة بفعل التغيرات البيئية والأنشطة البشرية غير المنظّمة.

أقضية ديالى: تنوّع المكان ووحدة الهوية
تتكوّن محافظة ديالى من مجموعة أقضية شكّلت عبر التاريخ نسيجًا جغرافيًا وإنسانيًا متكاملًا. تمثّل بعقوبة مركز المحافظة وقلبها الإداري والحضري، وقد عُرفت ببساتينها وأسواقها ودورها التجاري. أما المقدادية، فكانت ولا تزال من أبرز مناطق الزراعة، خاصة الحمضيات، وتحمل إرثًا ريفيًا عميقًا. ويجمع الخالص بين الطابع الزراعي والنشاط الصناعي، مشكّلًا عنصر توازن اقتصادي في المحافظة.

وفي الشمال الشرقي، تبرز خانقين كمدينة ذات خصوصية تاريخية وثقافية، لعبت دورًا مهمًا كممر تجاري وحدودي. أما كفري، فتشكّل نقطة تلاقٍ جغرافي وثقافي، وتمتاز بتنوّعها الاجتماعي ودورها الزراعي. ويمثّل بلدروز الامتداد الجنوبي الشرقي للمحافظة بطابعه الريفي وأراضيه المفتوحة، بينما تُعد مندلي من أقدم أقضية ديالى وأكثرها عمقًا تاريخيًا، إذ كانت مدينة بساتين وتجارية حدودية، ورغم ما أصابها من إهمال، ما زالت تحتفظ بذاكرة صلبة تشهد على صمود المكان.

المجتمع والتنوّع الإنساني
تتميّز ديالى بنسيج اجتماعي متنوع، يضم عشائر ومكونات متعددة عاشت جنبًا إلى جنب لعقود طويلة. هذا التنوع كان مصدر غنى ثقافي واجتماعي، وأسهم في تشكيل شخصية إنسان ديالى، الذي عُرف بالارتباط بالأرض، والمرونة في التعايش، والقدرة على الصبر في وجه الأزمات.

ديالى بين الألم والأمل
مرّت ديالى بسنوات صعبة أثّرت في بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، لكنها لم تفقد روحها. ما زالت الأرض قادرة على العطاء، والإنسان على النهوض، إذا ما توفرت الإرادة والرؤية. ديالى اليوم تقف عند مفترق طرق، بين ذاكرة مثقلة بالجراح، ومستقبل يمكن بناؤه من جديد.

خاتمة
ديالى ليست مجرد محافظة حدودية أو زراعية، بل قصة عراقية مكتوبة بالماء والبساتين والصبر. من نهرها الذي منح الحياة، إلى أرضها التي قاومت الجفاف، ومن إنسانها الذي لم ينكسر رغم كل شيء، تظل ديالى شاهدًا على قدرة الأرض على النهوض مهما اشتدت العواصف. إنها محافظة لا تموت… بل تُنبت رغم الجراح.

انتهى