خارج الضجيج

رياض الفرطوسي

المشكلة في العراق اليوم ليست فقط صراع سلطة، بل صراع تعريف.
من هو المثقف؟
من هو النزيه؟
من هو الوطني؟

حين تضيع التعريفات، يتحول كل شيء إلى مسرح.
الممثل الرديء يبالغ في الحركة، والجمهور يصفّق لأنه نسي شكل الأداء الحقيقي.
المعايير لا تُهدم بضربة واحدة؛ تنهار حين يُعاد تعريف الرداءة بوصفها مهارة.

في زمن اضطراب المقياس، يصبح الظهور دليلاً على القيمة، ويُفهم التحفظ ضعفاً.
من يتقن تسويق نفسه يُمنح صفة الخبير، ومن يرفض الدخول في حفلة التصفيق يُتهم بالعزلة أو التعقيد.
المشكلة ليست في الضجيج ذاته، بل في أن الصمت لم يعد مفهوماً.

نعيش لحظة تختلط فيها السرعة بالعمق.
كل شيء يُطلب فوراً: موقف فوري، تعليق فوري، غضب فوري.
لكن التفكير يحتاج بطئاً، والكتابة تحتاج مسافة، والنزاهة تحتاج وقتاً أطول مما يسمح به إيقاع المنصات.

الأدب تحديداً لا يعيش في الضوء الكثيف.
هو ينمو في مناطق الظل، في تلك المسافة بين التجربة وتأملها.
من يكتب ليُرى فقط، قد يُرى فعلاً، لكن رؤيته مؤقتة.
أما من يكتب ليفهم، فقد يتأخر حضوره، لكنه يبقى.

ليست المسألة بطولة ولا تضحية دائمة.
بل وعي بالحدود.
أن تعرف متى تتكلم، ومتى تصمت، ومتى تترك الفكرة تنضج قبل أن تدفعها إلى العلن.
الاندفاع قد يصنع لحظة، لكنه لا يصنع أثراً.

في مجتمع تختل فيه المعايير، تظهر ظاهرة أخطر من الفساد:
الاعتياد عليه.
حين يُستقبل التزييف بلا دهشة، وحين يصبح الانتهازي نموذجاً عملياً للنجاح، يتغير تصور الأجيال عن معنى القيمة.
وهنا يبدأ التآكل الحقيقي، لا في المؤسسات فقط، بل في المخيلة.

الكاتب ليس قاضياً، ولا بطلاً شعبياً.
هو شخص يحاول أن يرى بوضوح وسط عاصفة من العناوين.
دوره ليس رفع الصوت، بل ضبط النغمة.
ليس إعلان الحقيقة المطلقة، بل حماية المساحة التي يمكن أن تُقال فيها الحقيقة دون صراخ.

وسط هذا كله، قد يبدو الحلم ترفاً.
لكنه في الحقيقة ضرورة نفسية.
أن تتخيل عالماً أقل قبحاً لا يعني أنك تهرب، بل أنك ترفض أن تُختزل في القبح.
الحلم ليس بديلاً عن الفعل، لكنه يمنح الفعل معنى.

ومع ذلك، لا ينبغي تحويل الحلم إلى عرض عام.
أجمل ما في بعض الأشياء أنها لا تحتاج إعلاناً:
الصداقة العميقة، الألم الصادق، الفكرة التي تنضج ببطء.
هناك تجارب تفسد حين تُعرَض أكثر مما ينبغي.

في النهاية، الضجيج لا يُنتج ثقافة، بل يستهلكها.
والشهرة لا تصنع قيمة، بل تختبرها.
الزمن، بهدوئه القاسي، هو من يفرز.
لا يستجيب للحملات، ولا يخضع للانفعالات.

السؤال الحقيقي ليس: من الأكثر حضوراً؟
بل: من الأكثر رسوخاً؟

الرسوخ لا يُرى فوراً.
لكنه، مثل جذور الشجرة، هو ما يمنع السقوط حين تأتي الريح.