رياض سعد
كانت ليلةً شتويةً حالكةَ السواد، والريح تعصفُ كأنها تنتزعُ الروحَ من جدران المدينة المنهكة… ؛ في ذروة انقطاع التيار الكهربائي، حيث تحالف الظلامُ والبردُ كما تتحالف قوى الشرِّ على النفوس المُتعبة، جلست خديجة في زاوية الغرفة الوحيدة التي لم يهدمها القصف… ؛ كانت تحتضن طفلها الرضيع الذي لم يعد يبكي من الجوع، بل صمت كأنه أيقن أن لا فائدة من البكاء… ؛ منذ أربعين يوماً وهي لم تذق طعم النوم العميق، فقط غفوات تختطفها بين دقات قلبها المذعور… ؛ في الخارج، كان دوي القنابل يهز الأرض من حين لآخر، وكأن الزلازل تمشي على قدمين… ؛ في الداخل، كان الصقيع يتسلل من الشقوق ليصافح العظام.
كانت الحرب قد ابتلعت زوجها في الأيام الأولى، حين خرج ليبحث عن رغيف خبز فلم يعد… ؛ وابتلعت ابنها الأكبر في إحدى المجازر التي طالت الحي… ؛ ولم يبقَ لها سوى هذا الرضيع الذي تحمله كقطعة من روحها الممزقة… ؛ كانت الليلة أشد قسوة من سابقاتها؛ فالثلج يتساقط لأول مرة منذ سنوات، والريح تعوي كالذئاب الجائعة، والنار في الموقد تكاد تموت لولا بعض الحطب المبتل الذي يجود بدخان كثيف بدلاً من اللهب…
وإذا بوميض مفاجئ يملأ الغرفة، ليس كالبرق ولا كضوء القذائف، بل نور ناعم كأنه منسوج من ضوء القمر ورقائق الذهب… ؛ رفعت خديجة رأسها فإذا بشخصية نورانية تقف أمامها… ؛ كانت امرأةً في غاية الجمال، كأنها خرجت من قصيدة نورانية قديمة… ؛ ترتدي ثوباً أبيض لا تشوبه شائبة، وشعرها كخيوط الفضة يتلألأ كأن فيه نجوماً صغيرة… ؛ كانت عيناها جمليتان كأنهما إشراقة الشمس بعد طول ظلام ، وفي وجهها من النور ما يجعل الظلام يتراجع مذعوراً إلى الزوايا… ؛ ابتسمت ابتسامة لا تشبه ابتسامات البشر، فيها من الطمأنينة ما يجعل القلب يخلع ثياب الخوف وينزع دروع القلق…
قالت الزائرة الملائكية بصوت كأنه خرير الماء في الصحراء، أو نسمات الربيع تهب على قلب ذابل: “لا تخافي يا خديجة ، فأنا رسالة من هناك، من حيث لا تصل القنابل ولا يبلغ الظلم… ؛ اعلمي أن كل ليل مهما طال فلابد له من فجر، وأن كل ظالم وإن تجبر فمصيره إلى زوال… ؛ و هذا الطفل الذي تحملينه سيكون شاهداً على زمن غير هذا الزمن، زمن يسوده الخير كما يسود الظلم هذه البلاد الآن.”
كانت الكلمات تنساب في قلب خديجة كالجدول في الأرض العطشى… ؛ شعرت بأن جبال الهم التي تراكمت على صدرها تتفتت، وأن خيوط الأمل تخيط جراحها المفتوحة… ؛ ثم مدت يدها لتمس يد الزائرة النورانية، فإذا بها تلامس برداً لطيفاً ليس كبرد الثلج، بل برد يذكرك بظل شجرة في يوم قائظ…
ثم قالت الزائرة: “سأمسح عن طفلك ألم الجوع، وسأكتب له عمراً مديداً يشهد فيه تحول الأحوال… ” مدت يدها فإذا بها تلمس رأس الطفل، وفجأة تحرك الرضيع وفتح عينيه وابتسم، لأول مرة منذ أشهر… ؛ ابتسامة بريئة كأنها نور الفجر يزيح ظلام الليل… ؛ ثم نظرت إليه خديجة فإذا بعينيه تلمعان كأن فيهما سر الحياة الجديدة…
تابعت الزائرة: “ولكني أحذرك، يا خديجة ، سوف تنسين هذا المشهد بعد حين، لأن بني البشر جبلوا على النسيان… ؛ لكن الأثر سيبقى في أعماقك، وفي روح طفلك، وفي مسار الأيام… ؛ ستعيشين لترين زمناً لا تصدقين أنه ممكن اليوم… ؛ اذ سيعود الأمن إلى بيوت أهل هذه الارض ، وسيعود الأطفال إلى المدارس، وستنسج النساء على الأرصفة أحلاماً جديدة.”
ثم بدأت تختفي رويداً رويداً، كأنها تذوب في النور الذي جاءت منه… ؛ وقبل أن تغيب تماماً، تركت خلفها عطراً لا يشبه عطور الأرض، عطراً كأنه مزيج من الياسمين والندى والسماء… ؛ انتشر في أرجاء الغرفة، وتسلل إلى ثنايا الملابس الرثة ، وإلى أنفاس الطفل المسكين ، وإلى قلب خديجة الذي طالما ظن أن لا شيء يستطيع إحياءه بعد ما رأى من موت.
بقيت خديجة مذهولة، والطفل يضحك، والغرفة تضيء ببقايا النور… ؛ لم تنم تلك الليلة، بل بقيت تحدق في المكان الذي وقفت فيه الزائرة، تلتقط أنفاس العطر، وتسمع صداها في أعماقها… ؛ ومع بزوغ الفجر، بدأت ملامح الرؤيا تتلاشى من ذاكرتها كتلاشي النجوم مع شروق الشمس… ؛ حاولت أن تتمسك بها، أن تكتبها على جدار الذاكرة، لكن النسيان كان أسرع.
ومضت الأيام والسنون… ؛ و كبر الطفل اليتيم وصار شاباً وسيما قويا ، وتحسنت الأحوال فعلاً كما قالت الزائرة… ؛ وسقط النظام الصدامي المجرم , و عاد الأمان إلى الشوارع، وعاد الناس إلى حياتهم، وأصبحت خديجة امرأة عجوز تحدث أحفادها عن أيام الحرب القاسية والحصار الظالم والنظام البعثي القمعي … ؛ كانت تحكي لهم عن الجوع والخوف والبرد، ولكنها كلما وصلت إلى تلك الليلة تحديداً، كانت تتوقف وتقول: “وفي إحدى الليالي، حدث شيء لا أذكره جيداً… شيء جميل جداً… لكني نسيته.” كان الأحفاد يضحكون ويقولون: “يا جدتي، أكيد كنت تحلمين!” فترد: “ربما، ولكن أطياف الأحلام لا تترك عطراً في الغرفة.”
كانت تروي لهم أن طفلها الرضيع ابتسم فجأة في تلك الليلة بعد شهور من الجمود، وأنها شعرت بدفء غريب يغمرها رغم البرد القارس… ؛ وكانت تشعر في قرارة نفسها أن ثمَّة سراً كبيراً يحيا في أعماقها، سراً لا تستطيع التعبير عنه، لكنه يمنحها طمأنينة عجيبة كلما تذكرت تلك الليلة.
وماتت خديجة بعد سنوات طويلة، وهي تحمل في قلبها ذلك السر الدافئ، الذي نسيت تفاصيله لكنها لم تنسَ إحساسه… ؛ وقبل أن تغادر الدنيا بدقائق، نظرت إلى ابنها الشيخ الذي كان يجلس بجانبها، وهمست: “لقد عادت… أراها الآن… كانت حقيقية… ” ثم أسلمت الروح بابتسامة تشبه ابتسامة الأطفال حين يرون أمهاتهم بعد غياب.
وهكذا، تظل بعض النسمات الإلهية تعبر حياتنا دون أن نعيها، وتترك في أرواحنا أثراً لا تمحوه السنون، حتى لو نسيته العقول… ؛ وفي كل ليلة شتاء باردة، حين تتآمر قوى الظلام على النفوس المتعبة، تكون تلك الأطياف النورانية أقرب مما نتصور، تنتظر لحظة ضعفنا لتهدي لنا وميضاً من الأمل الذي لا يخبو أبداً.