رياض سعد
قراءة في آليات التغييب الإعلامي والإفلات المنهجي من العقاب في قضية ضحايا الشيعة
مقدمة : سيمفونية الصمت الكبرى: اغتيال الضحايا مرتين
تُعدّ ظاهرة تجاهل الرأي العام العالمي، ولا سيما العربي والإسلامي، لضحايا الطائفة الشيعية الذين يسقطون نتيجة الاعتداءات الإرهابية التي تنفذها الجماعات والحركات الإسلامية التكفيرية، أو بفعل الممارسات التعسفية للأنظمة السياسية الطائفية والشمولية والعنصرية لتلك الدول ، واحدة من أخطر الظواهر المركّبة في عصرنا الحديث… ؛ فهي لا تمثل خللًا أخلاقيًا عابرًا، بل تكشف عن بنية عميقة من الانتقائية السياسية والإعلامية، والتواطؤ الصامت، وإعادة إنتاج الكراهية تحت عناوين دينية وسيادية زائفة.
ومن اقرب الامثلة على ذلك التفجير الارهابي الاخير في دولة الباكستان ضد الطائفة الشيعية … ؛ فقد وقع تفجيراً وهجومًا انتحاريًا في 6 فبراير/شباط 2026 في مسجد خديجة الكبرى وهو مسجد شيعي في منطقة تَرْلاي كلان جنوب شرق العاصمة إسلام آباد، باكستان… ؛ و هو الرابع من نوعه في غضون سنتين… ؛ فقد تبنّى تنظيم “داعش” المسؤولية، وكالعادة على أسس طائفية، وهوية الانتحاري التكفيري الذي فجّر نفسه في مسجد وحسينية خديجة الكبرى ؛ التفجير الذي طال الحسينية … ؛ أسفر عن استشهاد 37 شخصاً وجرح 180… ؛ وقد شُيّع الشهداء في إسلام آباد … ؛وسط حزن شعبي عميق، في وقتٍ لم تُدان فيه الجريمة إلا من قبل أربع دول فقط، وهو ما يعكس المزاج العام المشوب بالصمت، بل وربما بالتأييد الضمني، لمثل هذه التفجيرات ذات الطابع الطائفي…!!
أولًا: الازدواجية الإعلامية وصناعة الضحية “الصالحة”
ما إن تسقط ضحية تنتمي إلى طائفة أو ديانة بعينها، حتى تضجّ وسائل الإعلام العالمية والإقليمية ببيانات الشجب والاستنكار، وتُستنهض المنظمات الحقوقية، وتُستدعى لغة “الإنسانية” و”الكرامة” و”الحق في الحياة”.
لكن هذه القاعدة تنهار كليًا عندما يكون الضحايا من الطائفة الشيعية؛ إذ يسود الصمت، أو يُختزل الحدث في خبر عابر، أو يُبرَّر ضمنيًا تحت مسمّيات “صراع طائفي” أو “توترات محلية”، في عملية تفريغ للجريمة من بعدها الإنساني والأخلاقي…!!
هذه الازدواجية لا يمكن فهمها إلا بوصفها جزءًا من سياسات تحرير الخبر وتوجيه الرأي العام، حيث تُصنّف الدماء، وتُقيَّم الضحايا، وتُمنح الشرعية الأخلاقية للقتل حين يكون المستهدف “خارج الإجماع السياسي–الإعلامي السائد”.
نعم، ما إن تسقط ضحية هنا أو هناك، أو يُقتل شخص ظلماً ينتمي لهذه الطائفة أو تلك الديانة، حتى تقوم الدنيا ولا تقعد، وتضج وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بالشجب والاستنكار… ؛ إلا أن هذا الأمر ينقلب رأساً على عقب، ويلتزم الجميع الصمت إذا كان الضحايا والشهداء والقتلى من الطائفة الشيعية… ؛ وهذا الأمر إن دلّ فإنما يدل على تَواطُؤ دولي وإسلامي وعربي على هذا الأمر… ؛ فالكل يفرحون بسقوط الضحايا من الطائفة الشيعية، بل ويعملون على التَّعْنيم الإعلامي وعدم ذكر المظالم والمجازر بحقهم، بل يعمدون أحياناً إلى تشويه الحقائق وتزوير الوقائع…!!
ثانيًا: الإرهاب التكفيري بوصفه أداة لا مجرد انحراف
إن الجرائم التي تُرتكب بحق الشيعة، سواء في العراق أو باكستان أو أفغانستان أو سوريا أو غيرها، لا يمكن اختزالها في أفعال مجموعات متطرفة معزولة… ؛ فالتنظيمات التكفيرية، وعلى رأسها تنظيم “داعش” وأشباهه، لم تنشأ في فراغ، بل تغذّت على:
خطاب ديني إقصائي أُنتج داخل مدارس فقهية متشددة … ؛ ورعاية سياسية مباشرة أو غير مباشرة من أنظمة ترى في استهداف الشيعة وسيلة لتثبيت سلطتها … ؛ وصمت دولي يرقى إلى مستوى التواطؤ، طالما أن القتل يخدم توازنات إقليمية ودولية.
ثالثًا: العراق نموذجًا للمجزرة المستمرة
على مدى عقود طويلة، تعرّض الشيعة في العراق لعمليات قتل جماعي ممنهجة، عبر:
حروب الوكالة الخاسرة … , ومعارك النيابة المدمرة … , وأقبية التعذيب … ؛ وقاعات الإعدام … ؛ والمقابر الجماعية ؛ والعمليات الارهابية والمجازر الوحشية وجرائم التطهير الطائفي … الخ .
وقد جرت هذه الجرائم بعلم دول العالم، وبأدوات تعذيب صُنعت في الشرق والغرب على حد سواء، بل إن كثيرًا من الجلادين تخرّجوا من دورات أمنية واستخبارية في دول تدّعي اليوم الدفاع عن حقوق الإنسان… ؛ ومع ذلك، لم يتحرك “المجتمع الدولي” إلا حين تغيّرت الحسابات السياسية، لا حين استُبيحت كرامة الإنسان.
رابعًا: الامتداد الجغرافي للاضطهاد
لا يقتصر استهداف الشيعة على العراق، بل يمتد إلى: البحرين والسعودية وغيرهما عبر سياسات الإقصاء والقمع … ؛ وأفغانستان وباكستان وغيرهما عبر التفجيرات الممنهجة للحسينيات والمساجد … ؛ حتى عندما يُهاجر الشيعي من بلاده التي يتسم نظامها السياسي بالطائفية والشمولية إلى أوروبا، يتعرض هناك لجرائم التكفيريين والإرهابيين من المحسوبين على الحركات والفصائل والمدارس الدينية السلفية… ؛ وهذا يدل على أن المشكلة عابرة للحدود، وجوهرها أيديولوجي–سياسي، لا محلي ضيق أو ظرفي طارئ .
ولعل الجريمة الشنعاء الأخيرة التي تعرض لها الشيعة في باكستان تؤكد ذلك، بل لعلها تشير إلى بداية حملات طائفية إجرامية وإرهابية على غرار ما يتعرض له الشيعة والعلويون في سوريا، أو ما يعانيه شيعة لبنان من اعتداءات الكيان الصهيوني ومضايقات الفرقاء اللبنانيين… ؛ لاسيما بعد التحشيد ضد إيران، يتزايد الضغط على الشيعة بمختلف مدارسهم وتوجهاتهم، فالأعداء لا يميزون بين الشيعة أبداً … .
خامسًا: البعد الاستراتيجي – من التحريض إلى الإبادة الرمزية
إن التحشيد السياسي والإعلامي المتصاعد ضد إيران، وما يُسمّى بـ“المدّ الشيعي”، انعكس ضغطًا مباشرًا على الشيعة بمختلف مدارسهم وتوجهاتهم… ؛ فالأعداء لا يميزون بين شيعي وآخر، ولا بين معتدل أو غيره؛ إذ يُختزل الشيعي في خطابهم إلى عدو وجودي، ويغدو “الشيعي الجيد” في منطقهم هو:إما شيعي صامت،أو شيعي متواطئ،أو شيعي مقتول , أو شيعي متحول ومهجن …!!
خاتمة
إن الصمت عن استهداف الشيعة ليس حيادًا، بل موقف سياسي وأخلاقي منحاز… ؛ وهو صمت يُعيد إنتاج العنف، ويشرعن الإرهاب، ويفتح الباب أمام موجات جديدة من الدم، ما لم يُكسر هذا التواطؤ، ويُعاد الاعتبار للإنسان بوصفه إنسانًا، لا بوصفه رقمًا في معادلات الكراهية.
ان خبر تفجير مسجد خديجة الكبرى في اسلام اباد ؛ ليس مجرد خبر عابر عن تفجير إرهابي، بل هو شهادة تأريخية تفضح “مؤامرة الصمت الكبرى” تجاه إحدى أكثر الفئات استهدافاً في العالم. .. ؛ وهذا الخبر وامثاله أقنعة الليبرالية الغربية المنافقة ولوائح حقوق الانسان ، ووعود الربيع العربي المكسورة، وخطابات الوحدة الإسلامية المثقوبة… ؛ إن هذا الظاهرة السلبية الشيطانية ليست عابرة، بل هي بنية صلبة من التحيز والإقصاء، تتغذى من تراكمات قرون من التكفير، وعقود من التوظيف السياسي للطائفية.
إن ما يجري ليس مجرد اغتيال للأجساد، بل اغتيال للرواية الحقيقية ، ومصادرة للحق في أن تكون ضحية… ؛ وعندما يُقتل الإنسان مرتين: مرة بالبارود ومرة بالصمت، يصبح العالم أمام جريمة انسانية لا تغتفر.