صباح البغدادي
من حيث المبدأ فان أي دعوة لتجنيد مواطنين للقيام بعمليات انتحارية أو أعمال مسلحة خارج إطار الدولة والقانون تُعد خرقًا خطيرًا للدستور العراقي وللقوانين النافذة، بما فيها قانون مكافحة الإرهاب. مسؤولية الحكومة — أيًا كان رئيسها أو تحالفها — هي حصر السلاح بيد الدولة ومنع أي تشكيلات أو جهات من العمل خارج المنظومة الرسمية.
ولكن الواقع السياسي في العراق منذ 2003 قائم على توازنات معقدة بين قوى حزبية ومسلحة. بعض الفصائل المرتبطة بما يُعرف بـ”محور المقاومة والممانعة” ترى نفسها جزءًا من صراع إقليمي أوسع، خاصة في سياق العلاقة مع إيران والعداء للوجود الأمريكي. في المقابل، هناك أطراف عراقية أخرى ترفض زج العراق في صراعات إقليمية، وتطالب بسيادة القرار الوطني وعدم تحويل البلاد إلى ساحة تصفية حسابات بين الولايات المتحدة وإيران أو غيرهما.
وهنا تبرز بصورة صارخة “ازدواجية المعايير” — أي لو كان التطوع لصالح السعودية بدل إيران — يعكس شعورًا بعدم المساواة في تطبيق القانون. كثير من العراقيين، من مختلف الطوائف، يطرحون مخاوف مشابهة بشأن الانتقائية في إنفاذ القوانين، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بجهات مسلحة نافذة سياسيًا. ومسألة استغلال الخطاب الديني وتحفيز الشباب عبر وعود دينية (مثل “مفاتيح الجنة”)، فهذه إشكالية أخلاقية ودينية عميقة. غالبية المرجعيات الدينية التقليدية — سواء الشيعية أو السنية — لا تُجيز الأعمال الانتحارية خارج سياق دفاعي منظم وتحت سلطة دولة معترف بها. استغلال العاطفة الدينية للشباب، خاصة في ظل البطالة والفقر، يطرح سؤالًا اجتماعيًا واقتصاديًا بقدر ما هو أمني.
الإعلام العراقي منقسم هو الآخر سياسيًا. بعض القنوات مرتبطة بأحزاب أو فصائل، وبالتالي قد تتجنب طرح ملفات تمس حلفاءها. في المقابل، توجد منصات مستقلة تطرح هذه القضايا، لكنها غالبًا ما تواجه ضغوطًا أو قيودًا تفرض عيلها بل وتسارع الجهات الرقابية في هيئة الإعلام والاتصالات إلى توجيه فوري لغلق القناة لأنها روجت إلى السعودية ولكن لإيران فهذا من المحرمات المساس بها مهما كان عنف الخطاب الإعلامي الموجه ولان جوهر القضية هو: هل العراق دولة مؤسسات تحتكر قرار السلم والحرب؟ أم ساحة تتقاطع فيها ولاءات عابرة للحدود؟
أي انخراط غير رسمي في عمليات عسكرية خارج قرار الدولة يعرض العراق لمخاطر كبيرة، سواء من حيث الردود الدولية أو الانقسام الداخلي أو العقوبات. وفي الوقت نفسه، معالجة هذه الظواهر لا تكون فقط أمنيًا، بل أيضًا عبر: إصلاح سياسي حقيقي و فرص عمل للشباب و خطاب ديني مسؤول وقضاء مستقل يطبق القانون دون تمييز
من حق أي مواطن أن ينتقد الحكومة ويطالبها بحماية السيادة ومنع استغلال الشباب، لكن الأهم أن يبقى النقاش في إطار وطني جامع لا يزيد من الانقسام الطائفي الذي عانى منه العراق كثيرًا.
الدستور العراقي ينص بوضوح على أن: القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تخضع للسلطة المدنية. و لا يجوز تكوين ميلشييات عسكرية خارج إطار الدولة. و قرار السلم والحرب من اختصاص السلطات الدستورية التشريعية .
بمعنى قانوني صريح: أي نشاط عسكري منظم خارج منظومة الدولة، أو أي تجنيد للقتال دون تفويض رسمي، يُعد خرقًا لمبدأ احتكار الدولة للعنف المشروع. إذا كانت هناك مكاتب “تسجيل أسماء” للقتال خارج الحدود أو للقيام بعمليات مسلحة لا تصدر بأمر رسمي من القائد العام للقوات المسلحة، فذلك من حيث المبدأ يدخل في نطاق: لان تشكيل جماعات مسلحة خارج إطار الدولة أو التحريض على أعمال عنف أو الإعداد لجرائم تمس الأمن الوطني
وقانون مكافحة الإرهاب (المادة 4 إرهاب) يجرّم صراحة كل من : التحريض و التمويل و التخطيط و التنفيذ أو حتى التهديد بأعمال إرهابية والمسؤولية لا تقع فقط على المنفذ، بل تشمل المحرض والممول والمنظم. و إذا كان التطوع يهدف إلى تنفيذ عمليات انتحارية أو هجمات مسلحة خارج قرار الدولة، فهل ينطبق عليه وصف العمل الإرهابي؟
من الناحية النظرية: نعم، إذا توفرت عناصر الجريمة (القصد، التنظيم، الوسيلة، الهدف).
لكن التطبيق العملي يعتمد على قرار سياسي–قضائي. وهنا تظهر الإشكالية لان القانون في النص شيء، وفي الممارسة شيء آخر. وهنا تأتي جدلية مسؤولية الحكومة وفق النظام السياسي العراقي، الحكومة مسؤولة عن: حماية الأمن الداخلي ومنع أي نشاط مسلح خارج إطارها ومنع استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات على دول أخرى
التقاعس — إن ثبت — قد يُفسر سياسيًا على أنه: عجز أو خضوع لتوازنات سياسية أو قبول ضمني بالأمر الواقع
ولكن قانونيًا، يبقى الواجب قائمًا. ولكن العلاقة بين دولتين يجب أن تُدار عبر مؤسسات رسمية، لا عبر فصائل مسلحة أو تعبئة شعبية عابرة للحدود. وإذا تحول العراق إلى ساحة مواجهة بين إيران وخصومها، فسيكون مسرحًا للردود وليس صاحب قرار وهنا يكمن الخطر الحقيقي: فقدان الاستقلال الاستراتيجي. وجوهر المشكلة والقضية ليست فقط في “من يدافع عن من” القضية هي: من يملك قرار الحرب والسلم؟ وإذا لم يكن القرار حصريًا بيد الدولة، فإن مفهوم السيادة يصبح نظريًا.إذا لم يكن قرار السلاح موحدًا داخل الدولة، فإن أي شرارة إقليمية قد تتحول إلى أزمة داخلية عميقة.
ولذا فان صمت الدولة أخطر من الفعل ذاته لان في أي دولة تحترم نفسها، لا يمكن أن يُترك ملف تجنيد الشباب للقتال خارج الحدود، أو الزج بهم في عمليات انتحارية ذات طابع إقليمي، بلا مساءلة ولا موقف رسمي واضح. لكن في العراق، يبدو أن الصمت أصبح سياسة، والتغاضي أصبح منهجًا، وكأن دماء الشباب سلعة تفاوض في بازار الصراعات الإقليمية. وحين تُفتح مكاتب لتسجيل أسماء “متطوعين” للقتال دفاعًا عن إيران، وحين يُستثار الخطاب الديني لتأجيج الحماسة الطائفية والعاطفية واسترجاع موروث ال البيت وسيرة ثورة الحسين لدى شباب يعانون أصلًا من بطالة وفقر وانسداد أفق، فإن السؤال لا يكون فقط: من يقف خلف هذه الدعوات؟ بل الأهم: أين الدولة؟
أين الحكومة التي أقسمت على حماية مواطنيها؟ وأين الأجهزة الأمنية التي تطبق قانون مكافحة الإرهاب بحزم عندما يتعلق الأمر بخصوم سياسيين، لكنها تبدو مشلولة عندما يتعلق الأمر بفصائل نافذة؟ أين الادعاء العام؟ أين القضاء؟
والصمت هنا ليس حيادًا. الصمت موقف ترضى به . وحين تصمت الدولة أمام دعوات تدفع شبابها إلى محرقة إقليمية، فإنها ترسل رسالة خطيرة: إما أنها عاجزة، أو أنها متواطئة، أو أنها خاضعة لمعادلات قوة لا تجرؤ على كسرها.
ومفهوم السيادة ليس شعارًا انتقائيًا تروج إعلاميا وإذا قام شاب عراقي بعملية ضد مصالح الولايات المتحدة داخل الأراضي العراقية، فهل ستكون النتيجة مجرد بيان إدانة؟ أم أن العراق سيدفع الثمن سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا؟
هل تتحمل البلاد عقوبات جديدة؟ تصعيد عسكري؟ ضربات انتقامية؟ ومن سيتحمل النتائج؟ هل القادة الأمنيين والوزراء؟ قادة الفصائل؟ أم عوائل الفقراء الذين يُدفع بأبنائهم إلى الخطوط الأمامية؟ ومفهوم السيادة لا تتجزأ. لا يمكن أن تكون صارمة عندما يتعلق الأمر بطرف، ومتراخية عندما يتعلق الأمر بطرف آخر. لو افترضنا سيناريو معاكسًا: فتح مراكز تطوع للقتال دفاعًا عن دولة أخرى مثل السعودية، هل كان الموقف سيكون ذاته؟ أم كانت القوانين ستُستحضر فورًا، وحملات الاعتقال ستنطلق، وحالة الطوارئ ستُناقش في مجلس النواب العراقي خلال ساعات؟ وليس خلال أيام ويتم فرض الإحكام العرفية في المحافظات السنية ويتم تطويقها بقطعات الجيش والحشد الشعبي ويمنع التجول لان ازدواجية المعايير أخطر من الفوضى نفسها، لأنها تقتل فكرة الدولة العادلة من جذورها.
والأخطر على الشباب العراقي استغلال العاطفة الدينية والمذهبية واستحضار سيرة ثورة الحسين وحين يتحول الإيمان إلى أداة والأخطر من السلاح هو الخطاب الدينية الذي يبرره. عندما يُختزل الدين في “مفاتيح جنة” توزع على شباب لم يحصلوا أصلًا على مفاتيح وظيفة أو بيت أو كرامة، فإننا أمام استغلال فجّ للعاطفة الدينية.
الإيمان علاقة بين الإنسان وربه، لا بطاقة عبور إلى مشاريع سياسية عابرة للحدود.
الشباب العراقي لا يحتاج إلى من يقنعه بالموت. يحتاج إلى من يمنحه سببًا للحياة وامل بمستقبل مشرق .
اليوم تقف بغداد أمام اختبار تاريخي وإما أن تكون عاصمة دولة تقرر مصيرها بنفسها،
أو ساحة تُدار فيها المعارك بالوكالة.
المعركة المرتقبة — إن اندلعت — لن تكون دفاعًا عن كرامة العراقيين، بل ستكون امتدادًا لصراع أكبر منهم. والخاسر الأول سيكون الداخل العراقي: أمنًا، وانهيارا اقتصادًا، ووحدة وطنية.
اليوم السكوت الحكومي لا يفسر بانه حيادًا … بل موافقة ضمنية ومشاركة فعالة لغرض الزج بالشباب العراقي في معركة خاسرة حتى قبل أن تبدأ فحين لا تُغلق مكاتب التجنيد غير الرسمية، وحين لا يُستدعى المحرضون إلى القضاء،
حين لا يصدر موقف رسمي واضح يرفض زج العراق في حرب ليست حربه، لذا فإن الرسالة المفهومة شعبيًا هي أن هناك ضوءًا أخضر غير معلن. وهذا الضوء الأخضر هذا قد يقود إلى نفق مظلم لا خروج منه.
اليوم ما يزال العراق يعاني ولم يتعافَ بعد من حروب الأمس الطائفية ، ولا يحتمل مغامرات جديدة تُكتب بدماء شبابه. لذا فان الدولة التي لا تحمي أبناءها من الاستغلال، ولا تحمي سيادتها من التآكل، تفتح الباب واسعًا أمام فقدان الثقة وحين تفقد الشعوب ثقتها بدولها، يبدأ الانهيار الحقيقي.