بين القيم والخطأ

رياض الفرطوسي

هذا المقال يأتي استجابةً لجملة من المداخلات الكريمة التي وصلتني عقب نشر الجزء السابق من سلسلة صناعة الأبناء، وقد تنوّعت بين التأكيد على مركزية القيم في التأسيس الأول، والتحذير من تعقيدات الواقع الاجتماعي، والدعوة إلى التوازن بين الحماية والاستقلال. ما يلي ليس ردّاً بقدر ما هو محاولة لتوسيع الفكرة ومناقشتها في ضوء تلك الآراء.

حين نشرت مقالي عن ضرورة أن نسمح لأبنائنا بأن يخطئوا، لم أكن أبحث عن بطولة تربوية، بل عن نقاش صريح.
وقد جاءت الردود، بعضها يضيف طبقة من المعنى، وبعضها يضع إصبعه على جرح الواقع، وبعضها يذكّرنا بأن الطريق ليس مستقيماً كما نحب أن نتخيله.

أول ما قيل لي كان مهماً: لا يكفي أن نترك الأبناء يخطئون، بل لا بد أن نغذّيهم بالقيم في المراحل الأولى، فالقيم تسجَّل في طبقات الوعي العميقة، هناك حيث تتشكل البوصلة.

هذا صحيح.
الحرية بلا قيم مقامرة،
والقرار بلا مرجعية ارتجال.

العقل، كما ورد عن امير المؤمنين الامام علي بن أبي طالب ( ع ) ، العلم إفادة، ومجالسة العلماء زيادة.( أو بهذا المعنى ).
أي أن في داخل الإنسان بذرة، لكنها لا تنمو إلا بروافد المعرفة والخبرة.

حين دعوت إلى السماح بالخطأ، لم أعنِ الفوضى، بل قصدت أن يمارس الابن قراره داخل إطار قيمي راسخ.
القيم هي الأرض،
والقرار هو الخطوة،
والخطأ هو احتكاك القدم بخشونة الطريق.

ومن دون الأرض، تصبح الخطوة سقوطاً.

ردٌّ آخر استدعى جان جاك روسو، حين قال إن الطفل لا يمكن منعه من النار حتى يكوى بها.
روسو لم يكن يحتفل بالألم، بل كان يقول إن التجربة معلم لا يقبل الوسيط.
نحن نشرح، نحذّر، نخوّف، لكن بعض الدروس لا تُفهم إلا بحرارة الواقع.

غير أن المشكلة ليست في النار، بل في حجمها.
أن نتركه يلمس جمرة، هذا تعليم.
أن نتركه يقع في حريق، هذا إهمال.

بين الجمرة والحريق تتحدد مسؤوليتنا.

أحد الأصدقاء وضع المسألة في سياقها العراقي القاسي، مجتمع عشائري، أخطاء قد تتحول إلى فصول مالية مهولة، نزاعات، مضاعفات تتجاوز الفعل ذاته.
هنا يصبح الكلام عن الخطأ ترفاً نظرياً، كما لو أننا نكتب من برج عاجي.

لكن الحقيقة أن البيئة الصعبة لا تُنتج حلاً واحداً هو مزيد من السيطرة، بل تحتاج مزيداً من الوعي.
في مجتمع تُضخَّم فيه النتائج، تصبح التربية على تقدير العواقب أكثر إلحاحاً.
لا نمنع القرار، بل نعلّم حساب كلفته.
لا نصادر التجربة، بل نوسّع دائرة الفهم قبلها.

الخطر لا يُلغى بالمنع المطلق،
بل بإعداد عقل يعرف أن كل خطوة لها ثمن.

وأجمل ما جاء في الردود كان الحديث عن التوازن،
أن الأب ليس مدير مشروع،
ولا حارس سجن،
ولا منسحباً يراقب من بعيد.

بل هو حضور ذكي.
قريب بما يكفي ليمنع الانكسار الكبير،
وبعيد بما يكفي ليتيح مساحة الخطأ الصغير.

هذه المعادلة ليست سهلة.
غريزة الحماية تصرخ،
والخوف يبالغ،
والأبوة تميل إلى التملك أحياناً من حيث لا نشعر.

بعض الآباء يتسلل إليهم شعور خفي بالربوبية، كما لو أنهم صناع الأرواح لا أوصياء على مرحلة.
ننسى أن أبناءنا ليسوا نسخة محدثة منا،
ولا امتداداً زمنياً لأحلامنا المؤجلة.

لكل إنسان مسار،
ولكل روح نداء خاص بها.

دورنا ليس أن نكتب السيناريو،
بل أن نمنح أدوات الكتابة.

نغرس القيم مبكراً،
نفتح باب السؤال،
نسمح بهامش التجربة،
نحذّر من الحريق،
ونقبل بجمرة التعلم.

حين يناقشك ابنك ليبحث لا ليتمرّد،
ويخطئ ليختبر لا ليعاند،
ويعود ليصحح لا ليكابر،

فاعلم أن العملية التربوية لم تفشل.
لقد بدأت تؤتي ثمارها.

التربية ليست صناعة طاعة،
بل صناعة وعي.

وليست منع الخطأ،
بل بناء عقل يعرف كيف ينهض بعده.

وفي زمن تتعاظم فيه المخاطر، وتتضخم فيه ردود الأفعال، وتشتد فيه القبضة الاجتماعية، قد يبدو السماح بالخطأ مغامرة.
لكنه في الحقيقة استثمار بعيد المدى.

فالأب الذي يمنع ابنه من كل عثرة،
يؤجّل سقوطه إلى لحظة أخطر.

أما الذي يعلّمه كيف يمشي على أرض غير ممهدة،
فهو لا يحميه من الحياة،
بل يهيئه لها.

عند تلك اللحظة،
لا نكون قد ربّينا أبناءً مطيعين،
بل صنعنا أشخاصاً يعرفون كيف يختارون،
وكيف يتحملون،
وكيف يعيشون.