رياض الفرطوسي
ماذا لو كانت الحرب مجرد مسرح مضاء بإتقان، بينما الصفقات تُعقد في الكواليس بهدوء المصارف؟
منذ صعود دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم تعد السياسة الخارجية الأمريكية مجرد إدارة مصالح، بل تحولت إلى عرض دائم، كاميرات لا تنطفئ، منصات تغلي، وتغريدات تُشبه صفارات إنذار. الرجل لم يذهب إلى حرب شاملة كما فعل أسلافه، لم يترك وراءه مدناً محروقة على الطريقة التقليدية، لكنه أتقن فناً آخر، تحويل التهديد إلى سلعة، وتحويل القلق إلى أرباح.
ترامب ليس سياسياً كلاسيكياً، بل ابن سوق عقارية تعلم فيها أن أعلى الأرباح تأتي حين تُقنع الآخر أن الانهيار وشيك. سقف زمني ضيق، ضغط أقصى، تهويل محسوب، ثم انتظار اللحظة التي يمد فيها الطرف المقابل يده طلباً لتخفيف الخناق. إنها مفاوضات بلغة المستثمر لا بلغة الجنرال.
في هذا المناخ، عاش العالم سنوات على حافة مواجهة مع إيران. أساطيل تتحرك، قاذفات تُستدعى، بيانات غاضبة، حلفاء يرفعون جاهزيتهم العسكرية، وإسرائيل تعلن التأهب الكامل وتُجري تدريبات دفاع مدني تحسباً لأسوأ السيناريوهات. وفي الخلفية، زيارات دبلوماسية عاجلة، تنسيق أمني، تسريبات مدروسة عن احتمال ضربة أو اتفاق.
السؤال لم يكن هل تقع الحرب، بل متى. ثم صار السؤال أعمق، هل المقصود فعلاً أن تقع؟
التاريخ الحديث يُظهر أن الحروب الكبرى في الشرق الأوسط لم تكن نزهة غربية. في أفغانستان، في العراق، وحتى في التجربة الإيرانية ذاتها منذ الثورة، اصطدم العقل الاستراتيجي الغربي بعناصر لا تُقاس بالخرائط العسكرية وحدها. هناك دين وعقيدة، هناك ذاكرة، هناك مفهوم مختلف للموت والكرامة، هناك مجتمع لا يُختزل في حسابات الطاقة وأسعار البرميل.
بول أوستر، الروائي الأميركي البارز في أدب ما بعد الحداثة (كاتب أمريكي معاصر اشتهر بتفكيك الهوية والواقع في أعمال مثل ثلاثية نيويورك)، تخيّل في نصوصه اهتزاز الداخل الأمريكي لا بانفجار مدوٍّ، بل بتصدع بطيء في المعنى. وجون تراديل (شاعر وناشط من شعب السانتي داكوتا، عُرف بدفاعه عن حقوق السكان الأصليين ونقده لدولة الشركات) رأى أن دولة الشركات سبقت أي انقلاب سياسي، وأن السلطة تغيّرت جلدها قبل أن يلاحظ الناس ذلك. أما جان بودريار (فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي، من أبرز منظّري مفهوم المحاكاة والواقع المصطنع) فقال يوماً إن حرب الخليج لم تقع، لا لأنه أنكر الصواريخ، بل لأنه اعتبر أن ما شاهده العالم كان نسخة مُنتجة بعناية، حرباً نظيفة على الشاشة بلا رائحة دم. وهيرمان هسه (روائي وشاعر ألماني سويسري حائز على نوبل، عُرف بنزعته الإنسانية ونقده للنزعات القومية المتطرفة) حذّر مبكراً من إعلام يصنع واقعاً مزيفاً يجعل القتل يبدو واجباً أخلاقياً.
اليوم نحن أمام نسخة أكثر تعقيداً. حرب تُبنى هندستها في المخيلة قبل أن تُبنى في الميدان. تهديد دائم، حالة طوارئ مستمرة، توقع جماعي بأن الانفجار قريب. هذا التوقع بحد ذاته يُعيد تشكيل الاقتصاد، يرفع أسعار الطاقة، يدفع الدول لشراء السلاح، يُهرّب الأموال إلى مصارف الغرب، ويُنعش الصناعات العسكرية بلا طلقة واحدة.
فرنسا وبريطانيا، اللتان تُظهران أحياناً تمايزاً سياسياً، استفادتا من مناخ التوتر ذاته. سباق تسلح، عقود، إنفاق دفاعي متصاعد. الخوف سوق مربحة، والشرق الأوسط أفضل زبون.
لكن ماذا عن إيران في هذه المعادلة؟
من منظور مختلف، طهران ليست مجرد هدف لضغوط، بل لاعب يفهم أن الزمن جزء من التفاوض. المماطلة ليست ضعفاً دائماً، أحياناً هي إعادة تعريف لشروط اللعبة. حين يفرض طرف أقصى ضغط، يكون الرد أحياناً هو أقصى صبر. في ثقافة سياسية ترى في النفس الطويل فضيلة استراتيجية، لا تبدو الساعات كما تبدو في واشنطن.
ترامب، بحكم خلفيته العقارية، لا يحتمل فراغ الوقت. يحتاج إلى نتيجة قابلة للتسويق، اتفاق يُعرض كإنجاز شخصي، أو خطوة عسكرية محدودة تُسوّق كقوة حاسمة. أما الإيراني، فيستثمر في المسافة بين التهديد والتنفيذ، في المنطقة الرمادية التي تُربك الخصم.
المواجهة الشاملة ليست خياراً سهلاً. ضربة واسعة قد تُشعل منطقة لا يمكن ضبطها، وتدفع بأسواق الطاقة إلى شتاء قاسٍ لا تتحمله أوروبا، ولا اقتصاد أمريكي مثقل بالتضخم والدين. الخليج ليس مسرحاً معزولاً، بل عقدة طرق عالمية. وأي شرارة قد تمتد إلى ما هو أبعد من حسابات الضربة المحدودة.
لهذا يبدو احتمال الاتفاق واحتمال الضربة متساويين على الورق، لكن غير متساويين في الكلفة. الاتفاق يمنح واشنطن صورة المنتصر، ويمنح طهران اعترافاً عملياً بثقلها الإقليمي. أما الحرب، فتفتح أبواباً لا يعرف أحد كيف تُغلق.
الحرب الفعلية قد لا تقع، لكن الحرب النفسية واقعة بالفعل. الكراهية تتصاعد، الخطاب القومي يتشدد، المخاوف تُغذى يومياً. الناس تعيش في انتظار الانفجار، وهذا الانتظار بحد ذاته يُعيد تشكيل الوعي الجمعي. هنا تكمن الخطورة الحقيقية.
المفارقة أن القوة ليست دائماً في إطلاق النار، بل في منع إطلاقه. حين تُفشل خصمك في دفعك إلى الزاوية التي اختارها لك، تكون قد ربحت جولة صامتة. إيران، التي خبرت العقوبات والعزلة والضغوط القصوى، تبدو اليوم أكثر ميلاً إلى إدارة الاشتباك لا الانجرار إليه.
ربما لن تقع الحرب، لأن الجميع يعرف أن كلفتها تتجاوز حدود المنطقة. وربما ستُكتب تسوية جديدة، لا تُرضي كل الأطراف، لكنها تمنع الانفجار الكبير. بين نفاد صبر رجل يحب النتائج السريعة، وصبر دولة اعتادت الانتظار الطويل، تتحدد ملامح المرحلة.
وفي النهاية، قد يكتشف العالم أن أخطر الحروب ليست تلك التي تُطلق فيها الصواريخ، بل تلك التي تُصنع فيها الصور. الحرب التي لا تقع في الميدان، لكنها تقع في العقول، وتُعيد رسم خرائط الخوف.
أما الشرق، الذي قيل عنه إنه يتحرك بالعاطفة، فقد يثبت مرة أخرى أن العاطفة حين تختلط بالتاريخ، تصير استراتيجية.