صباح البغدادي
في 8 شباط 2026، نشر مجلس القضاء الأعلى بياناً عقب عقد جلسته الأولى ، شدد فيه على ضرورة الالتزام بالتوقيتات الدستورية الخاصة باستكمال إجراءات تعيين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ومؤكداً أهمية احترام المدد القانونية ومنع أي تدخل خارجي في المسار الدستوري. ما أعاد تسليط الضوء على إشكالية الالتزام بالسقوف الزمنية الدستورية واستكمال الاستحقاقات السياسية ضمن الأطر القانونية وبما ان العملية السياسية قد تجاوزت المهل الدستورية المتعارف عليها لانتخاب رئيس الجمهورية، ما أدى إلى توقف إجراءات اختيار رئيس الوزراء أيضًا ودخلنا في دوامة ” الفراغ الدستوري “وكما حصل في دورات سابقة حين اعتُبر البرلمان في حالة “انعقاد مستمر” حتى إكمال الاستحقاقات الدستورية ؟.
نحن نعيش اليوم مرحلة استثنائية في تاريخ العراق الحديث لان المنطقة برمتها تقف على حافة فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة، ومع تهديد الرئيس ترامب خلال الساعات الماضية :” بانه إنه يدرس توجيه ضربة عسكرية محدودة لإيران لإرغامها على التوقيع على الاتفاق النووي ” وقال للصحفيين ” أعتقد أنه يمكنني القول إنني أدرس ذلك” ومن هذا المنطلق فأن توجيه ضربة عسكرية أصبحت تقاس الآن بالساعات وليس بالأيام , وبما أن موضوع ” الفراغ الدستوري” قد يمثل، في ظروف قاهرة واستثنائية معينة ، حبل نجاة مؤقتاً للعراق، فإن على حكومة تصريف الأعمال – إذا أحسنت إدارة هذه المرحلة الحساسة – أن تستغل هذا الوضع بذكاء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تبعات الضربة العسكرية الأمريكية المحتملة على إيران. ورغم ما ينطوي عليه هذا الفراغ من مساوئ سياسية واقتصادية وأمنية ، إلا أن هناك فرصاً إيجابية محدودة يمكن للحكومة الاستفادة منها كحل وسط يقلل الخسائر إلى أدنى حد ممكن. وهذا ما سوف نحاول قدر الإمكان في هذا التحليل الاستباقي إلقاء الضوء على تلك الفرص والآليات العملية، لأن هذا الجانب – حتى الآن – لم يُناقش بجدية في وسائل الإعلام العراقية، ولم يُطرَح في أي من البرامج الحوارية السياسية، رغم أهميته الاستراتيجية في هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد والمنطقة.
وبينما يواصل قادة الإطار التنسيقي صراعهم الأجوف على من سيكون رئيس الوزراء القادم، وكأن الأمر لا يتعلق بمصير دولة، بل بتوزيع مكاتب ومناصب.الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وضع القيادة الإيرانية أمام خيارين أحلاهما مر: إبرام “صفقة مجدية” وحتى مع المهلة التي حددها الرئيس ترامب مهلة 15 يوماً فقط ، أو مواجهة “أشياء سيئة” ستحدث. ومع وصول حاملة الطائرات الأحدث يو إس إس جيرالد فورد لتنضم إلى يو إس إس أبراهام لينكولن قبالة سواحل عمان، أصبحت المنطقة على شفا مواجهة عسكرية قد تسبق حتى انتهاء المهلة المحددة. في هذا السياق الحساس للغاية، يستمر الصراع الداخلي في بغداد على من سيكون رئيس الوزراء، بينما اختيار رئيس الجمهورية أصبح أمراً بعيد المنال بعد تجاوز المدد الدستورية. قادة الإطار التنسيقي يصرون على أن يكون رئيس الوزراء القادم “موظفاً بدرجة مدير عام”، أي شخصية ضعيفة يسهل التحكم بها، وهذا الشرط لا ينطبق على المالكي نفسه، بل على أي مرشح آخر. وهم يخشون تكرار تجربة محمد شياع السوداني، الذي دخل الانتخابات بقائمة وفاز بأكبر عدد من المقاعد، لكنهم يريدون تجنب أي شخصية قوية قد تفرض شروطاً أمريكية.أما الولايات المتحدة، فتريد رئيس وزراء بكامل الصلاحيات، وليس مجرد مدير عام ينفذ أوامر الفصائل. لكن ما لا يناقشه أحد بجرأة في وسائل الإعلام العراقية هو الحقيقة المرة: الجميع أصبح يناور ويماطل بانتظار نتيجة الملف النووي الإيراني. هل ستكون هناك ضربة عسكرية أم اتفاق؟ حالة “لا سلم ولا حرب” لم تعد مفتوحة إلى الأبد.أي رئيس وزراء قادم سيجد نفسه بين نارين:
- من جهة، نواب الإطار وقادة الفصائل الولائية سيطالبون فوراً باتخاذ إجراءات تصعيدية: إدانة أي عدوان أمريكي أو إسرائيلي على إيران، مخاطبة الأمم المتحدة بشأن اختراق الطائرات الإسرائيلية للأجواء العراقية، ودعم مظاهرات الشارع ضد “العدوان”.
- من جهة أخرى، أي إطلاق نار – حتى لو عفوياً – ضد مصالح أمريكية في العراق سيترتب عليه عواقب وخيمة جداً، قد تصل إلى عقوبات اقتصادية شاملة أو تدخل عسكري مباشر.
لذلك، بدأت تظهر دعوات صريحة من بعض القوى المعارضة لحل البرلمان والذهاب إلى انتخابات مبكرة، وهذا السيناريو – إن تحقق – سيكون في مصلحة التيار الوطني الشيعي (الصدري)، لأن القوى الأخرى التي لم تفز بالانتخابات السابقة (خاصة المستقلين) ستضغط على الصدر للمشاركة هذه المرة لمعادلة كفة الميزان مع تكتلات الإطار التنسيقي. الخلاصة الاستراتيجية الاستباقية: الجميع في العراق أصبح مقتنعاً – سراً أو علناً – بأن الأفضل هو الإبقاء على حالة الفراغ الدستوري وحكومة تصريف أعمال، لتجنب أي تبعات سياسية أو اقتصادية كارثية في حال وقوع الضربة العسكرية على إيران.
لقد أدركت القيادة الإيرانية، بشكل متزايد الوضوح، أن أي حرب قادمة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل لن تكون مجرد صدام محدود أو “حرب وقتية”، بل ستكون مواجهة وجودية تهدد بقاء النظام نفسه. ولهذا السبب تحديداً، امتنعت طهران عن إشراك الفصائل العراقية الولائية المسلحة في “حرب الـ12 يوماً” (المواجهة المحدودة الأخيرة)، معتبرة ذلك محاولة لحماية آخر أذرعها الاستراتيجية الفعالة في المنطقة من الاستهداف الأمريكي-الإسرائيلي المباشر.لكن هذه المرة، ومع اقتراب ساعة الصفر، تُظهر المؤشرات أن إيران مستعدة للدفع بكامل قوتها عبر هذه الفصائل – التي تُعتبر الأكثر أهمية واستراتيجية لديها بسبب قربها الجغرافي من حدودها الغربية – للدفاع عن النظام ولإحداث أكبر قدر ممكن من الضغط والفوضى.في الوقت نفسه، يُشكل الفراغ الدستوري الحالي في بغداد – الناتج عن فشل مجلس النواب في انتخاب رئيس الجمهورية وبالتالي رئيس الوزراء – فرصة ذهبية لإيران. فحكومة تصريف الأعمال الحالية ستتأنى بنفسها عن أي رد فعل رسمي أو عملي تجاه أي تصعيد تقوم به الفصائل، مما يعني أن كرة اللهب ستُلقى مباشرة في أحضان أعضاء مجلس النواب. هؤلاء سيجدون أنفسهم مضطرين لاكتوي بنارها، لأنهم هم من فشلوا في إنجاز الاستحقاق الدستوري، وسيُصبح مبررهم الدائم: “نحن مجرد حكومة تصريف أعمال وليس لدينا صلاحيات كاملة”.من جهة أخرى، تُظهر الوقائع أن إيران لم تُشرك مليشيات الحوثيين بشكل كامل في المواجهات السابقة رغم قدراتهم على الطيران المسير، وذلك لأن السواحل اليمنية مفتوحة وأقرب إلى القطع العسكرية الأمريكية في بحر العرب، مما يجعلها هدفاً سهلاً للرد المضاد. أما الفصائل العراقية فتتمتع بموقع جغرافي متميز يجعلها أكثر أماناً نسبياً وأكثر فعالية في إحداث تأثير داخلي عميق.وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك معلومات مؤكدة عن وجود قوات كوماندوس أمريكية وإسرائيلية خاصة داخل الأراضي الإيرانية حالياً، مهمتها الأساسية تقديم تقارير ميدانية دقيقة ومباشرة عن طبيعة الاستعدادات الإيرانية للحرب، ونقل صورة واقعية من الأرض وليس الاعتماد فقط على الأقمار الصناعية. هذه القوات تقوم بمراقبة مكثفة لمعظم المعسكرات والمواقع العسكرية الإيرانية، بما في ذلك من خلال الطيران المسير، مما يعزز من دقة أي قرار عسكري مستقبلي.الخلاصة الاستراتيجية الاستباقية: إيران تُعد نفسها لحرب وجودية، ولن تتردد هذه المرة في دفع الفصائل العراقية إلى المواجهة الكاملة، مستغلة الفراغ الدستوري في بغداد كغطاء سياسي وقانوني. حكومة تصريف الأعمال ستكون عاجزة عن الرد، ومجلس النواب سيجد نفسه أمام نارٍ لن يستطيع إخمادها.
لذا فان الفراغ الدستوري في العراق (أي استمرار حكومة تصريف أعمال بدون حكومة جديدة كاملة الصلاحيات) قد يُعتبر طوق نجاة مؤقت من تبعات ضربة أمريكية محتملة على إيران، لكنه ليس حلاً مستداماً أو آمناً على المدى الطويل. في رأيي الشخصي كمحلل (بناءً على السياق الاستراتيجي والتاريخي)، هذا الفراغ يُشبه “السكين ذا الحدين”: يحمي العراق من بعض التبعات الفورية، لكنه يُعرضه لمخاطر داخلية وإقليمية أكبر قد تؤدي إلى انهيار كامل. دعني أفصل الأمر بشكل منطقي واستباقي.لماذا قد يكون الفراغ الدستوري “طوق نجاة” مؤقتاً؟
- تجنب المسؤولية السياسية المباشرة: حكومة تصريف الأعمال (مثل حكومة محمد شياع السوداني الحالية) لها صلاحيات محدودة دستورياً (لا تستطيع اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى مثل الدخول في تحالفات عسكرية أو إصدار قوانين جذرية). هذا يعني أنها يمكن أن “تتأنى” عن أي رد فعل رسمي تجاه ضربة أمريكية على إيران، مما يحمي العراق من التورط المباشر في الصراع. على سبيل المثال، إذا اندلعت مواجهة، يمكن للحكومة أن تقول: “نحن مجرد تصريف أعمال، وليس لدينا صلاحيات للرد”، وتتجنب بذلك غضب واشنطن أو تل أبيب.
- حماية من الضغوط الخارجية: في حال ضربة أمريكية، قد تُستخدم الفصائل الولائية (مثل كتائب حزب الله أو النجباء) كأداة إيرانية للرد (هجمات على مصالح أمريكية في العراق). الفراغ الدستوري يمنح الحكومة حجة لعدم التدخل أو قمع هذه الفصائل، مما يقلل من فرصة عقوبات أمريكية فورية أو تصعيد عسكري مباشر ضد بغداد.
- إبطاء التصعيد الداخلي: بدون حكومة جديدة، يتجنب الإطار التنسيقي (الذي يصر على المالكي) المواجهة المباشرة مع الضغوط الأمريكية، ويمنح نفسه وقتاً للمناورة أو الانتظار حتى تنتهي الأزمة الإيرانية-الأمريكية.
لكن لماذا ليس حلاً مستداماً؟ (المخاطر الكبرى في رأيي)
- الخطر الداخلي المتزايد: الفراغ الدستوري يُعرض العراق لفوضى أمنية داخلية، خاصة إذا استخدمت إيران الفصائل الولائية كـ”كرة نار” للدفاع عن نفسها. هذه الفصائل قد تشن هجمات على مصالح أمريكية أو إسرائيلية داخل العراق، مما يجعل بغداد هدفاً لرد أمريكي مباشر (كما حدث في 2020 مع اغتيال سليماني). في رأيي، هذا يعني أن العراق سيصبح “ساحة المعركة الجانبية” دون حكومة قوية قادرة على السيطرة.
- الانهيار الاقتصادي والسياسي: أمريكا تسيطر على عائدات النفط العراقي عبر البنك الفيدرالي، وأي تصعيد (حتى لو من فصائل) قد يؤدي إلى عقوبات فورية (قطع الدعم، تجميد الحسابات)، مما يشل الاقتصاد. حكومة تصريف أعمال لا تستطيع التعامل مع أزمة اقتصادية كبرى، وفي رأيي، هذا قد يؤدي إلى احتجاجات شعبية مشابهة لـ”تشرين 2019″ أو أسوأ.
- الضغط على مجلس النواب: كما ذكرت، إيران قد “تلقي كرة اللهب” على النواب، محملة إياهم مسؤولية الفشل في تشكيل الحكومة. هذا يعني أن البرلمانيين سيجدون أنفسهم في مرمى النيران، مما قد يؤدي إلى انهيار كامل للعملية السياسية.
في الخلاصة، الفراغ الدستوري قد يحمي العراق مؤقتاً من “التبعات الفورية” للضربة، لكنه يُعرضه لكارثة داخلية أكبر. في رأيي، الحل الحقيقي يكمن في تشكيل حكومة قوية ومتوازنة فوراً، بعيداً عن الصراعات الشخصية، لأن العراق ليس “ساحة انتظار” لصراعات الآخرين. الجميع يخسر إذا استمر الفراغ. وستستغل إيران الفصائل العراقية للرد، مما يؤدي إلى أزمة أمنية داخلية، عقوبات أمريكية، وانهيار اقتصادي، مع فراغ دستوري يتحول إلى “فراغ أمني” كامل. والخطر الأكبر: كما قلت سابقاً، قد تعيد الفصائل سيناريو التفجيرات والاغتيالات تحت غطاء “داعش” لتبرير وجودها، مما يضع العراق في دوامة عنف جديدة.
في الخلاصة، الفراغ الدستوري قد يحمي العراق مؤقتاً من “التبعات الفورية” للضربة، لكنه يُعرضه لكارثة داخلية أكبر. في رأيي، الحل الحقيقي يكمن في تشكيل حكومة قوية ومتوازنة فوراً، بعيداً عن الصراعات الشخصية، لأن العراق ليس “ساحة انتظار” لصراعات الآخرين. الجميع يخسر إذا استمر الفراغ.
لذا فان السيناريو الأكثر احتمالاً في السعات القادمة : تصعيد إيراني عبر وكلائها العراقيين، مع محاولة لإلقاء المسؤولية على عجز البرلمان، فيما تظل الولايات المتحدة وإسرائيل على أهبة الاستعداد لضربة وقائية أو رد حاسم.السؤال لم يعد: هل ستحدث الحرب؟
بل: كيف سيواجه العراق تبعاتها وهو يعاني فراغاً دستورياً وسياسياً كاملاً؟
التعنت والتمسك بالمنصب لن يغني العراق شيئاً، بل سيُعرضه لانتكاسات أكبر، خاصة مع اقتراب ساعة الصفر الإقليمية.
السؤال لم يعد: من سيكون رئيس الوزراء؟
السؤال الحقيقي: هل سيبقى العراق دولة، أم سيصبح ساحة لتصفية حسابات إقليمية ودولية؟