رياض سعد
***السياق التاريخي لتحوّل العلاقة العراقية–الأمريكية
شكّل عام 2003 نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ العراق الحديث بعد إسقاط نظام المجرم صدام عبر التدخل العسكري الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية… ؛ و لم يكن التحوّل سياسيًا فحسب، بل مسَّ بنية الدولة والمجتمع وموازين القوى الداخلية، وأعاد تشكيل العلاقة بين المكوّنات العراقية ضمن إطار نظام ديمقراطي جديد قائم على التعددية والانتخابات … .
ضمن هذا السياق، برز المكوّن الشيعي – بوصفه الكتلة السكانية الأكبر – لاعبًا أساسيًا في معادلة الحكم، بعد عقود من الإقصاء أو التهميش والاضطهاد في ظل الانظمة الطائفية الهجينة البائدة … ؛ ومنذ ذلك الحين، أصبحت العلاقة العراقية–الأمريكية مركّبة ومتعددة الأبعاد: فهي علاقة أمنية وسياسية واقتصادية، لكنها أيضًا علاقة مثقلة بذاكرة بدعم النظام البعثي المجرم وجرائم الاحتلال، وبحسابات السيادة، وبصراع النفوذ الإقليمي … الخ
***موقع المكوّن الشيعي في النظام السياسي بعد 2003
أفرز النظام السياسي الجديد معادلة قائمة على الشراكة بين المكوّنات الرئيسية، إلا أن الثقل العددي والسياسي للمكوّن الشيعي جعله يشغل موقعًا محوريًا في السلطة التنفيذية والتشريعية… ؛ و تجلّى ذلك في رئاسة الحكومات المتعاقبة، وفي حضور الأحزاب الشيعية في البرلمان، وفي التأثير الواضح على مسار العملية السياسية… ؛غير أن هذا الموقع لم يكن خاليًا من التحديات والضغوط الخارجية والداخلية .
فضلا عن تحدي إدارة التنوّع الداخلي الشيعي ؛ إذ لا يشكّل الشيعة كتلة سياسية موحّدة، بل يتوزعون على تيارات ومدارس فكرية وسياسية ودينية متعددة …
وتحدي التوازن الإقليمي: بحكم الروابط الدينية والسياسية مع قوى إقليمية مؤثرة , وتحدي العلاقة مع الغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا: بين ضرورات التعاون الأمني والاقتصادي، ومتطلبات السيادة الوطنية والحساسية الشعبية تجاه الوجود الأجنبي … .
من هنا، أصبح المكوّن الشيعي – بحكم موقعه القيادي – أمام مسؤولية مضاعفة: مسؤولية تمثيل ناخبيه، ومسؤولية إدارة الدولة بكل مكوّناتها .
***طبيعة العلاقة العراقية–الأمريكية
تقوم العلاقة بين العراق والولايات المتحدة على عدة محاور :
المحور الأمني: التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية كما تتدعي الولايات المتحدة الامريكية .
المحور السياسي: دعم مسار الانتخابات وبناء المؤسسات، ضمن إطار اتفاقيات استراتيجية طويلة الأمد .
المحور الاقتصادي: الاستثمارات في قطاع الطاقة، والتعاون المالي والمصرفي، ودور المؤسسات الدولية التي تؤثر فيها واشنطن بشكل مباشر أو غير مباشر .
هذه العلاقة ليست علاقة تبعية مطلقة، ولا قطيعة كاملة، بل علاقة شدّ وجذب تحكمها المصالح المتبادلة والظروف الإقليمية .
***الواقعية السياسية في التعامل مع القوى الكبرى
الواقعية السياسية – بوصفها مدرسة فكرية في العلاقات الدولية – تنطلق من مبدأ أن الدول تتحرك وفق مصالحها لا وفق شعاراتها… ؛ فالقوة، وموازين الردع، وحسابات الكلفة والعائد، هي المحددات الأساسية لسلوك الدول والانظمة والاحزاب السياسية . في هذا الإطار، فإن أي مكوّن يتصدر المشهد السياسي في دولة ما، يصبح مطالبًا بإدارة علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، سواء كانت الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الصاعدة عالميًا… ؛ اذ لا تقوم السياسة الواقعية على الاصطفاف الأيديولوجي الجامد، بل على :
–تنويع الشراكات .
-تقليل الاعتماد الأحادي .
-تجنّب تحويل البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة .
-تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الوطنية مع تقليل الأضرار.
القبول بمبدأ التفاوض، أو عقد الاتفاقيات، أو حتى تقديم تنازلات محدودة ضمن إطار السيادة، لا يُعد ضعفًا بالضرورة، بل قد يكون جزءًا من إدارة المخاطر في بيئة إقليمية مضطربة .
***المكوّن الشيعي بين الداخل والخارج
يجد المكوّن الشيعي نفسه في موقع دقيق بين عدة اعتبارات :
الداخل العراقي: حيث يتوجب عليه طمأنة بقية المكوّنات بأنه شريك في دولة مواطنة لا في دولة غلبة . البيئة الإقليمية: حيث تتشابك المصالح مع قوى متعددة .
*العلاقة مع الولايات المتحدة: التي تمثل قوة دولية ذات حضور عسكري واقتصادي وسياسي مؤثر .
إن إدارة هذا التوازن تتطلب خطابًا وطنيًا جامعًا، يفصل بين الانتماء المذهبي وإدارة الدولة، ويؤكد أن معيار العلاقات الخارجية هو مصلحة العراق ككل، لا مصلحة فئة بعينها .
***بين المثالية والشعارات
التجارب السياسية المعاصرة تُظهر أن الشعارات الكبرى لا تكفي لبناء دولة مستقرة… ؛ فالتكنولوجيا، والاقتصاد، والتحالفات الدولية، والقدرة على جذب الاستثمار… ؛ كلها عناصر لا تُدار بخطاب تعبوي، بل برؤية مؤسساتية طويلة الأمد… .
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعلان المواقف الصلبة، بل في القدرة على ترجمتها إلى سياسات قابلة للتطبيق تحافظ على :السيادة ,الأمن الداخلي ,وحدة المجتمع , فرص التنمية … .
***خاتمة: نحو مقاربة متوازنة
إن العلاقة العراقية–الأمريكية ستظل عنصرًا أساسيًا في معادلة السياسة العراقية في المدى المنظور، سواء اتسمت بالتصعيد أو بالتفاهم… ؛ والمكوّن الشيعي – بحكم موقعه المركزي في السلطة – معنيٌّ بصياغة مقاربة متوازنة تقوم على :الواقعية لا الانفعال ,المصالح الوطنية لا الاصطفافات الضيقة ,الشراكة الداخلية لا الاحتكار ,تنويع العلاقات الدولية لا الارتهان لمحور واحد ؛ مع تفضيل التعامل مع الامريكان على غيرهم لاسباب سياسية معروفة .
فالسياسة في نهاية المطاف فنّ إدارة الممكن، لا مطاردة المثال المجرد… ؛ وكلما استطاعت القوى العراقية – بمختلف مكوّناتها – تحويل ثقلها الديموغرافي والسياسي إلى مشروع دولة جامعة، كان ذلك أقرب إلى تحقيق الاستقرار والسيادة والازدهار للعراق.